السيد محمد الحسيني الشيرازي
18
المال ، أخذا وعطاء وصرفا
ثمّ من قد علمتم بعده في فضله وزهده سلمان وأبو ذر رضي اللّه عنهما . فأمّا سلمان فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته حتّى يحضر عطاؤه من قابل ، فقيل له : يا أبا عبد اللّه ، أنت في زهدك تصنع هذا وأنت لا تدري لعلك تموت اليوم أو غدا . فكان جوابه أن قال : ما لكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم عليّ الفناء ، أما علمتم يا جهلة ، أنّ النفس قد تلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما يعتمد عليه ، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنت . وأمّا أبو ذر فكانت له نويقات « 1 » وشويهات « 2 » يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم أو نزل به ضيف أو رأى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة ، نحر لهم الجزور أو من الشياه على قدر ما يذهب عنهم بقرم « 3 » اللحم فيقسّمه بينهم ويأخذ هو كنصيب واحد منهم ، لا يتفضّل عليهم ، ومن أزهد من هؤلاء ؟ وقد قال فيهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ما قال ، ولم يبلغ من أمرهما أن صارا لا يملكان شيئا البتة ، كما تأمرون الناس بإلقاء أمتعتهم وشيئهم ويؤثرون به على أنفسهم وعيالاتهم . واعلموا أيّها النفر ، أنّي سمعت أبي يروي عن آبائه عليه السّلام أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال يوما : ما عجبت من شيء كعجبي من المؤمن أنّه إن قرض جسده في دار الدنيا بالمقاريض كان خيرا له ، وإن ملك ما بين مشارق الأرض ومغاربها كان خيرا له ، وكل ما يصنع اللّه عز وجل به فهو خير له ، فليت شعري
--> ( 1 ) النويقات : جمع نويقة مصغّر ناقة . ( 2 ) الشويهات : جمع شويهة مصغّر شاة . ( 3 ) أي : شدّة الشهوة للحم ، لسان العرب : ج 12 ص 473 .