السيد محمد الحسيني الشيرازي
93
الفقه ، السلم والسلام
ومن خلال مجموع هذه الآيات يعرف أصل حرية الإنسان ، وأن لها أكبر المساحات في الإسلام وأنه ليس لغير الله على البشر من سلطان ، وحينما يتحرر الضمير من شعور العبادة والخضوع والانقياد لغير الله سبحانه وتعالى ، يأتي دور سائر الحريات الممنوحة للإنسان في مختلف معاملاته وسائر شؤونه الفردية والاجتماعية وغير ذلك . وبمعنى آخر إن الحرية في النظرية الإسلامية ليست بمعنى الانطلاق غير المحدود بفعل المحرمات وترك الواجبات حتى لا يقف عند حد ولا يعبأ بالقيم ويتمرّد على المجتمع ، وإنما تعني الانطلاق البنّاء الذي يتطلع إلى فضائل الخير في أرجاء النفس والفكر والعقل والمجتمع فيبني ولا يهدم ويقوّم المعوجّ فيذهب إلى المزيد من التقدم ويطلب الحق والعدل دائما ، كما يطلب المساواة في موضعها . فليست هناك مساواة مطلقة ، كما أنه لا تصح الحرية المطلقة حتى وإن كانت على حساب الآخرين ، وإنما لكل واحد منهما منطقة خاصة به ، فإذا تحوّلت الحرية أو المساواة في غير منطقة العدل ، فإن ذلك يسبّب خبالا وفسادا . فالحرية تعني أن كل إنسان حرّ في كل شيء ، ما عدا المحرمات والواجبات ، حيث إن المحرمات يلزم تركها ، والواجبات يلزم فعلها ، وذلك رعاية لمصلحة الإنسان نفسه أو بني نوعه ، ومن المعلوم أن الواجبات والمحرمات بإزاء سائر الحرّيات شيء قليل . معنى الحرية والحرية في الإسلام ليس معناها الانغمار في الشهوات الطائشة أو الهوى المتبع أو تهدف غرضا غير نبيل توجب سلب حقوق الآخرين ، فالوجدان محرر من العبودية والخضوع والانقياد لغير الله سبحانه وتعالى سواء كان أصناماً بشرية أو أصناماً حجرية ، وقد قال الإمام الحسين عليه السلام للحر بن يزيد الرياحي في يوم عاشوراء : » ما أخطأت أمك إذ سمتك حرّا فأنت حرّ في الدنيا وسعيد في الآخرة « « 1 » . وقد قال الإمام علي عليه السلام في يوم الخندق وهو يصرع عمرو بن عبد ود أحد صناديد قريش :
--> ( 1 ) راجع اللهوف : ص 104 .