السيد محمد الحسيني الشيرازي
208
الفقه ، السلم والسلام
وقال أمير المؤمنين عليه السلام : « الفقر يخرس الفطن عن حجته ، والمقل غريب في بلدته ، طوبى لمن ذكر المعاد وعمل للحساب وقنع بالكفاف ، الغنى في الغربة وطن ، والفقر في الوطن غربة ، القناعة مال لا ينفد ، الفقر الموت الأكبر ، إن الله سبحانه وتعالى فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء ، فما جاء فقير إلا بما منع غني ، ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلبا لما عند الله عز وجل ، وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء اتكالا على الله » « 1 » . ولأول وهلة قد يبدو للناظر في هذه الروايات أن هناك تعارضاً بينها ، فمنها ما ورد في مدح الفقر والثناء عليه ، ومنها ما ورد في ذمه والتعوذ منه ! وعند الرجوع إلى حقيقة كل من هذه الروايات نجد أن لا تعارض بين الأمرين ، فالروايات المادحة له حينما كان على صفة إيجابية فاستحق المدح والثناء وهو أن يكون الفقير صبوراً قانعاً منقطع الطمع عن الخلق ، صارفاً نفسه عما في أيدي الناس ، ولم يكن حريصاً على اكتساب المال وجمع الثروة كيف كان ، ويعز نفسه عن ذل السؤال ، وهذا هو الذي يقال عنه : الفقر المحمود ، وقد قال الشاعر فيه : أعزُّ الناس نفساً من تراه * يعزُّ النفس عن ذل السؤال ويقنع بالكفاف ولا يبالي * بفضلٍ ناب عن جاهٍ ومال وقال الآخر : لنقل الصخر من قلل الجبالِ * أحب إلي من منن الرجالِ وقالوا لي بأن الكسب عار * فقلت العار في ذل السؤالِ وقد أشارت بعض الروايات إلى حقيقة هذا الفقر وأنه الابتلاء والاختبار ، حيث إن الله سبحانه وتعالى يختبر به عباده ويبتليهم به ليعلم الصابر منهم ليثيبه ويجزيه . وفي الحديث القدسي : » إن من عبادي المؤمنين عباداً لا يصلح لهم أمر دينهم إلا بالفاقة والمسكنة والسقم فأبلوهم بالفاقة والمسكنة والسقم فيصلح عليهم أمر دينهم . . « « 2 » .
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 69 ص 46 ب 94 ح 57 . ( 2 ) الكافي : ج 2 ص 60 ح 4 .