السيد محمد الحسيني الشيرازي

15

الفقه ، السلم والسلام

عصرنا الحالي أبرز العلماء والفقهاء الذين تبنوا نظرية السلم واللاعنف في مختلف جوانب الحياة ، ابتداءً من علاقة المرء بذاته ، وانتهاءً بعلاقته بالآخر أياً كان هذا الآخر ، وبمعنى أوضح فإن الإمام الشيرازي ( قدس سره ) لم يقصر تنظيره حول فقه السلم واللاعنف فيما يتعلق بالجانب الفقهي فحسب ، بل انطلق بطرحه ليضفي على هذا المفهوم بعداً أشمل وأوسع برفضه كل أشكال العنف السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأسري وحتى في الحرب ، وذلك اعتماداً على أن المسالمة نظرية متكاملة ، ومنهج سلوك متواصل ، وخيار حضاري ، وعليه كان الشيرازي ( قدس سره ) داعية اللاعنف ومجدداً ورائداً في مبدأ السلام ونبذ الإرهاب في حل جميع المشكلات والقضايا المعاصرة ، وكل ما تعانيه البشرية من سلوكيات منحرفة ، فانتشار الأساليب والآليات التي يدعو إليها سماحته في حل الصراعات الفردية والجماعية والدولية في طريقها إلى التنفيذ ، وما زالت كل دعواته إلى المسالمة واللاعنف تجد طريقها إلى التطبيق الميداني ، فقد جمع قدس سره في طرحه لمبدإ المسالمة واللاعنف أرقى الآراء والاتجاهات والأفكار المعاصرة ، بل تنوعت بأبعادها أكثر مما طرحه ( المهماتا غاندي ) « 1 » - وهو أحد أبرز رواد مبدأ اللاعنف في القرن العشرين - وذلك لأن الإمام الشيرازي ( قدس سره ) استلهم هذه الفكرة من القرآن الكريم وسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام ومن هنا يتضح أفضلية أطروحته على سائر الأطروحات الموجودة عالمياً . وربما تجاوز معاصريه في التقسيمات التخصصية النوعية لمبدإ السلام ، فهو أبدع بطرحه كنظرية مصرفية تارة ، وأبدع باعتباره يشكل مدرسة اجتماعية إنسانية لمبدإ اللاعنف تارة أخرى ، فضلًا عن العنصر الفعّال في العمل والسلوك أو التنظير العقلي تارة ثالثة ، فقد نسج ( قدس سره ) نظرية واتجاهات متجانسة في السلام واللاعنف تناول خلالها رؤيته وأفكاره وأسلوبه العلمي وخلفيته كإطار نظري مرجعي للرؤية الإسلامية

--> ( 1 ) ( موهنداس كرامشاند ) ( 1869 - 1948 م ) : فيلسوف ومجاهد هندي ، ولد في بور بندر . اشتهر بلقب ( المهاتما ) أي النفس السامية ، دعا إلى تحرير الهند من الإنجليز بالطرق السلمية والمقاومة السلبية بعيداً عن العنف . وكان سلاحه الأقوى الإضراب عن الطعام ، أدت جهوده إلى استقلال الهند عام ( 1947 م ) ، يعد من أبرز دعاة السلام ، اغتاله براهماني متعصب .