السيد محمد الحسيني الشيرازي

402

الفقه ، الرأي العام والإعلام

من القلب ، فالقلب هو سلطان البدن ؛ إن أحسن أحسن ، إن أساء أساء ؛ ففاقد الشيء لا يعطيه ، ولست أريد بالقلب هنا العضو الحيوي بل النفس والروح أيضا التي توجّه الجوارح والأعضاء ، فإذا صار اللاعنف ملكة عند الإنسان تمكّن من المضي نحو التقدم ، وعندما قال عيسى عليه السّلام : ( أحبوا أعداءكم ) « 1 » ، وقال في موضع آخر : ( وإن لطم أحد خدك الأيمن فأعطه الأيسر ) « 2 » ، إنّما أراد من ذلك خدمة السّلام وتثبيت الاستقرار في المجتمع ، فالواقع أنه بهذه الردود الإيجابية وحدها يمكن كسب العدو وجعله صديقا ، ولذلك عمل الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم وأهل بيته المعصومين عليهم السّلام بمنهج اللاعنف إلى أبعد الحدود ، فلو جمعت تلك القصص لكانت كتابا كبيرا بالنسبة إلى أخلاقياتهم وأعمالهم وحتّى حروبهم التي كانت دفاعية ، وكان أهل البيت عليهم السّلام إذا انتصروا ، قالوا : ( أنتم الطلقاء ) ؛ كما قال الرسول الأكرم صلى اللّه عليه وآله وسلم ذلك « 3 » وكما منّ أمير المؤمنين عليه السّلام على أهل البصرة وقال : ( مننت على أهل البصرة كما منّ رسول الله على أهل مكّة ) « 4 » ، فيجب أن يصبح اللاعنف ملكة ، فالملكات هي التي تفصح عن الأعضاء والجوارح ، ولذا قال سبحانه وتعالى : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ « 5 » ، وكان الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم يؤذى بكثرة حتّى قال :

--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : ج 10 ص 159 ، تاريخ اليعقوبي : ج 1 ص 70 . ( 2 ) الأمالي للصدوق : ص 366 المجلس الثامن والخمسون ح 12 ، روضة الواعظين : ج 2 ص 470 ، تحف العقول : ص 499 ، مشكاة الأنوار : ص 174 . ( 3 ) راجع قرب الإسناد : ج 3 ص 170 ، تهذيب الأحكام : ج 4 ص 38 ب 10 ح 8 وص 118 ب 34 ح 1 ، الاستبصار : ج 2 ص 25 ب 11 ح 4 ، الكافي ( فروع ) : ج 3 ص 513 ح 2 ، أعلام الورى : ص 112 ، المناقب : ج 1 ص 209 ، وسائل الشيعة : ج 9 ص 182 ب 4 ح 11790 وج 15 ص 158 ب 72 ح 20203 ، تاريخ اليعقوبي : ج 2 ص 60 . ( 4 ) الاحتجاج : ج 1 ص 188 في احتجاجه على الخوارج لما حملوه على التحكم ثم أنكروا عليه ذلك . ( 5 ) سورة النحل : الآية 125 .