السيد محمد حسين الطهراني
116
ولاية الفقيه في حكومة الإسلام
أمّا النبيّ موسى الذي عليه أن يكون حافظ الشريعة فلا يمكنه تجاوز شريعته . فذلك الشخص الذي جاء بالشريعة والحكم للناس وأتي بحكم القصاص ، والذي أنزل الله عليه كتاب التوراة ، وأمره بالحكم بين الناس علي أساسه ، لا يستطيع أن يرتكب هذا العمل ، فيداه مكبّلتان ولا يستطيع أن يقتل أحداً بهذا النحو بأيّ وجه من الوجوه . ولذا فقد أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الآخر في بعض الموارد الاستثنائيّة فقط مثل قضيّة « ذي الخويصرة » هذه ، بقتل الشخص الفلاني مثلًا ، أمّا في بقيّة الموارد كموارد القصاص والمنازعات والمخاصمات فلم يتصرّف بعلم الغيب الذي عنده ، وقال إنَّمَا أقضِي بَيْنَكُمْ بالأيمَانِ والْبَيِّنَاتِ ( أي بشاهدين عدلين ، أو بالقَسَم الذي يحلفه المنكر بعد إقامة الدعوى من طرف المدّعي ) فأنا أحكم ب - : الْبَيِّنَة عَلَى الْمُدَّعي والْيَمِين عَلَى مَنْ أنْكَرَ . « 1 » ثمّ إنّ الأمر يجب أن يكون علي هذا النحو بالضرورة ، ذلك أنّ الشريعة لها محكمة وحكم وقواعد وقوانين ، إذا أراد الإنسان أن يتجاوزها ويتخطّاها فإنّ الهرج والمرج سيسودان في العالم . « 2 »
--> ( 1 ) نفس المصدر ، الباب 3 ، الأحاديث من 1 إلي 6 . ( 2 ) - روي الغزاليّ في « إحياء العلوم » ج 2 ، ص 176 ، أنّ عمر رضي الله عنه كان يعسّ بالمدينة ذات ليلة فرأي رجلًا وامرأة علي فاحشة ، فلمّا أصبح قال للناس أرأيتم لو أنّ إماماً رأي رجلًا وامرأة علي فاحشة فأقام عليهما الحدّ ما كنتم فاعلين ؟ قالوا : إنّما أنت إمام [ قال الغزاليّ هنا ] : هذا يشير إلي أنّ عمر رضي الله عنه كان متردّداً في أنّ الوالي هل له أن يقضي بعلمه في حدود الله ؟ فلذلك راجعهم في معرض التقدير لا في معرض الإخبار خيفة من أن لا يكون له ذلك فيكون قاذفاً بإخباره ، ومال رأي عليّ إلي أنّه ليس له ذلك وهذا من أعظم الأدلّة علي طلب الشرع لستر الفواحش فإنّ أفحشها الزنا وقد نيط بأربعة من العدول يشاهدون ذلك من في ذلك منها كالمرود في المكحلة وهذا قطّ لا يتّفق . وإن علمه القاضي تحقيقاً لم يكن له أن يكشف عنه .