تقرير بحث السيد الخوئي للتبريزي

470

مصباح الفقاهة ( ط أنصاريان )

وقد تقدم بيان ذلك مرارا عديدة . وثانيا : أن المقهورية على الفعل من قبل الشارع وكونه واجبا بأمره لا تنافي المقهورية عليه من قبل الإجارة أيضا ، فيكون لازم الامتثال من ناحيتين ، وهذا نظير شرط امتثال الواجب في ضمن العقد ، وتظهر الثمرة فيما إذا خالف الأجير عن أمر ربه ، ولم يمتثل الواجب ولم يمكن إجباره على الامتثال من ناحية الأمر بالمعروف ، فإنه يجوز للمستأجر أن يجبره على الامتثال ولو بمراجعة المحاكم المختصة . الثالث : ما أفاده شيخنا الأستاذ من أن الإجارة والجعالة قد اعتبر فيهما أن لا يكون العامل أو الأجير مسلوب الاختيار بإيجاب أو تحريم شرعي ، بل لا بد من أن يكون الفعل أو الترك تحت سلطنته واختياره ، وإلا فلا يكون مالا في نظر العرف . ولكنك قد عرفت في البحث عن معنى حرمة البيع : أنه لا تجوز المعاملة على الأفعال المحرمة ، كالكذب والغيبة والزناء وغيرها ، فإن الأدلة الدالة على حرمتها لا تجتمع مع العمومات الدالة على صحة المعاملات ولزومها ، فان مقتضى هذه العمومات نفوذ المعاملة الواقعة على الأفعال المحرمة ولزومها ، وأدلة المحرمات تقتضي المنع عن إيجادها في الخارج ، فهما متناقضان ، ومع الإغضاء عن ذلك فهما لا يجتمعان في نظر العرف . وهذا المحذور لا يجري في الواجبات . فإنه لا تنافي بينهما وبين العمومات المذكورة ، كما لا منافاة بينها وبين الأوامر العبادية ، وقد أوضحنا ذلك آنفا ، وعليه فالتكاليف التحريمية وإن كانت تسلب القدرة الشرعية عن المكلف ، ولكن التكاليف الوجوبية لا تنافيها ، بل تساعدها وتضاعفها . وقد يتوهم أنه لا فارق في عدم القدرة على التسليم بين تعلق الإجارة بالمحرمات والواجبات فان المكلف في كليهما يكون عاجزا شرعا عن إيجاد متعلق التكليف ، إذ القدرة لا بد وأن تكون متساوية النسبة إلى الطرفين : الفعل أو الترك . وفيه أن اعتبار القدرة على التسليم إن كان مدركه الإجماع فإنه على فرض تحققه فان المتيقن منه إمكان وصول العمل المستأجر عليه إلى المستأجر ، فلا يدل على اشتراط كونه تحت اختيار الأخير فعلا وتركا ، وإن كان مدركه اقتضاء العقد بداهة وجوب الوفاء بتسليم العمل فقد عرفت أن الوجوب لا ينافيه ، بل يتأكد كل منهما بالآخر ، وإن كان مدركه النبوي المشهور ( نهى النبي عن بيع الغرر ) . ففيه أولا : أن الاستدلال به غير تام من حيث السند والدلالة ، وسيأتي بيان ذلك في البحث عن بيع الغرر .