تقرير بحث السيد الخوئي للتبريزي

464

مصباح الفقاهة ( ط أنصاريان )

فقد قال أمير المؤمنين « ع » « 1 » : ( ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك لكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك ) . وقد تكون الغاية من العبادة هي اللّه ، ولكن بداعي التملق والخضوع لحفظ الجهات الدنيوية ، بأن يجعلها العبد وسيلة لازدياد النعمة والعزة ، وسببا لارتفاع الشأن والمنزلة ، وترسا لدفع النقمة والهلكة ، وقد أشير إلى هذا في الكتاب بقوله تعالى « 2 » : ( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ) . وقد تكون الغاية من العبادة هي اللّه بداعي الخشية من غضبه والخوف من ناره التي أعدت للعاصين ، وبداعي التعرض لرحمته الواسعة ، والوصول إلى الحور والقصور والجنة التي عرضها كعرض السماوات والأرض ، وهذه المرتبة أرقى من المرتبة الثانية . وقد أشار إلى هذا بقوله تعالى « 3 » : ( وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً ) . وبقوله تعالى « 4 » : ( وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً ) . وقد ورد في كثير من الأدعية كدعاء أبي حمزة الثمالي وغيره تعليل الايمان باللّه والعبادة له بالخوف والخشية والطمع ، وهذا واضح لا غبار عليه . وقد تكون الغاية من العبادة هي التقرب إلى اللّه ، وتحصيل رضاه من غير أن يقترن بها غرض آخر من الأغراض الدنيوية أو الأخروية ، وهذه المرتبة أرقى من المرتبة الثانية والثالثة ، وهي مختصة بالعارفين باللّه والسالكين اليه ، ولا يناله إلا القليل من الموحدين ، كسلمان والمقداد وأبى ذر وفريق من الأكابر . وقد اتضح مما ذكرنا ان الغرض من العبادة في هذه الدرجات الثلاث الأخيرة هو انتفاع العبد حتى في الدرجة الأخيرة : أعني المرتبة الرابعة ، فإن مآل تحصيل رضى اللّه والتقرب اليه هو صيرورة العبد محبوبا لدى اللّه لكي يجيب دعوته ويدفعه شدته ويقضي حوائجه . وعلى هذه المناهج المذكورة في السير إلى الله والتوجه إلى رحمته وغفرانه والفوز بنعمة ورضوانه لا تخلو عبادة إلا وقد قصد العبد فيها ان يصل اليه نفع من المنافع حسب اختلافها باختلاف الأغراض وقد عرفتها . نعم الدرجة الأولى وهي عبادة الأئمة خالية عن هذا القصد . ولكنها مختصة بهم عليهم السلام . وقد انجلى ان رجوع شيء من دواعي العبادة لغير اللّه لا ينافي الإخلاص فيها ،

--> ( 1 ) راجع ج 2 مرآة العقول ص 101 . وج 15 البحار كتاب الخلق ص 82 . ( 2 ) سورة إبراهيم آية : 7 . ( 3 ) سورة الأعراف آية : 54 . ( 4 ) سورة الأنبياء آية : 90 .