تقرير بحث السيد الخوئي للتبريزي
401
مصباح الفقاهة ( ط أنصاريان )
رفع غشاوة قد يتوهم أنه لا محيص أن تكون أقوال إبراهيم ويوسف المذكورة كاذبة ، غاية الأمر أنها من الأكاذيب الجائزة ، أما قول إبراهيم « ع » : ( إِنِّي سَقِيمٌ ) . وقول يوسف « ع » : ( أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ) . فصدق الكذب عليهما واضح . وأما قول إبراهيم « ع » : ( بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون ) . فلأن الشرط فيه إما أن يرجع إلى السؤال المذكور فيه ، وإما أن يرجع إلى الفعل ، فإن كان راجعا إلى السؤال انحلت الآية الكريمة إلى قضيتين : إحداهما حملية : وهي قوله تعالى ( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا ) والثانية إنشائية مشروطة ، وهي قوله تعالى ( فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ) أما القضية الأولى فهي كاذبة لكونها غير مطابقة للواقع . وأما القضية الثانية فهي إنشائية لا تتصف بالصدق والكذب . وإن كان راجعا إلى الفعل الذي نسبه إلى كبيرهم كانت الآية مسوقة لبيان قضية شرطية مقدمها قوله تعالى : ( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا ) وتاليها قوله تعالى : ( كانُوا يَنْطِقُونَ ) فقد دخلت عليها أداة الشرط ، وجعلتهما قضية واحدة شرطية ، ومن البديهي أنها أيضا كاذبة ، فإن الصدق والكذب في القضايا الشرطية يدوران مدار صحة الملازمة وفسادها ، ولا شبهة أنها منتفية في المقام ، بداهة أنه لا ملازمة بين نطق كبير الأصنام وبين صدور الفعل منه ، بل الفعل قد صدر من إبراهيم على كل تقدير ، سواء نطق كبيرهم أم لم ينطق . أقول : أما رمي قول إبراهيم : ( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا ) بالكذب فجوابه أنا قد حققنا في مبحث الواجب المشروط من علم الأصول أن الشروط في الواجبات المشروطة إما أن ترجع إلى الإنشاء : أعني به إبراز الاعتبار النفساني . وإما أن ترجع إلى متعلق الوجوب : أي المادة المحضة كما في الواجب المعلق على ما نسب إلى المصنف في التقريرات . وإما أن ترجع إلى المنشأ ، وهو ما اعتبره في النفس ثم أبرزه بالإنشاء ، فيكون مرجع القيد في قولنا : إن جاءك زيد فأكرمه هو وجوب الإكرام ، فيصير مقيدا بمجيء زيد . أما الأول فهو محال ، لأن الإنشاء من الأمور التكوينية التي يدور أمرها بين الوجود والعدم ، فإذا أوجده المتكلم استحال أن يتوقف وجوده على شيء آخر ، لاستحالة انقلاب الشيء عما هو عليه . وأما الثاني فهو وإن كان ممكنا في مرحلة الثبوت ، ولكنه خلاف ظاهر الأدلة في مقام