تقرير بحث السيد الخوئي للتبريزي

316

مصباح الفقاهة ( ط أنصاريان )

بما إذا لم تنجر إلى الغناء ، وإلا كانت محرمة . نعم لا شبهة في صدق الغناء عليه على تعاريف بعض أهل اللغة ، ولكنك قد عرفت : أنها ليست بجامعة ، ولا مانعة . ولقد أجاد صاحب الكفاية في الوجه الأول من الوجهين الذين جمع بهما بين الأخبار ، قال : ( أحدهما : تخصيص تلك الأخبار الواردة المانعة بما عدا القرآن ، وحمل ما يدل على ذم التغني بالقرآن على قراءة تكون على سبيل اللهو كما يصنعه الفساق ) . ثم أيده برواية عبد اللّه بن سنان الناهية عن قراءة القرآن بألحان أهل الفسوق . وقد يقال : بجواز الغناء في القرآن ، بدعوى أن أخبار الغناء معارضة بالأخبار الكثيرة المتواترة الدالة على فضل قراءة القرآن والأدعية والأذكار بالعموم من وجه ، وبعد التساقط في مورد الاجتماع يرجع إلى أصالة الإباحة ، وقد ذكر المصنف هذا الوجه في خلال كلام صاحب الكفاية ، ولكن ليس في تجارة الكفاية من ذلك عين ولا أثر ، ولا لما نسبه اليه المصنف من جملة من العبارات ، ولا تأييد مذهبه برواية علي بن جعفر . وقد أشكل عليه المصنف بما حاصله : أن أدلة الأحكام غير الإلزامية لا نقاوم أدلة الأحكام الإلزامية . والوجه في ذلك أن الفعل إنما يتصف بالحكم غير الإلزامي إذا خلا في طبعه عما يقتضي الوجوب أو الحرمة . ومثاله أن إجابة دعوة المؤمن - وقضاء حاجته وإدخال السرور في قلبه وكشف كربته - من الأمور المستحبة في نفسها ، ولكن إذا استلزم امتثالها ترك واجب كالصوم والصلاة ، أو إيجاد حرام كالزنا واللواط - تخرج عن الاستحباب ، وتكون محرمة . وفيه أن ما ذكرناه لا يرتبط بكلام المستدل ، وتحقيق ذلك أن ملاحظة اجتماع الأحكام الإلزامية مع الاحكام غير الإلزامية يتصور على وجوه : الأول : أن تقع المزاحمة بين الطائفتين في مرحلة الامتثال من دون أن ترتبط إحداهما بالأخرى في مقام الجعل والإنشاء ، كالمزاحمة الواقعة بين الإتيان بالواجب وبين الإتيان بالأمور المستحبة ، فإنه لا شبهة حينئذ في تقديم أدلة الأحكام الإلزامية على غيرها وكونها معجزة عنه ، كما ذكره المصنف . الثاني : أن يكون الموضوع فيهما واحدا من دون أن يكون بينهما تماس في مرحلتي الثبوت والإثبات ، ولا يقع بينهما تزاحم وتعارض أصلا . كما إذا حكم الشارع بجواز شيء في نفسه وطبعه ، وبحرمته بلحاظ ما يطرأ عليه من العناوين الثانوية . ومثال ذلك إباحة الشارع أكل لحم الضأن مثلا في حد نفسه ، وحكمه بحرمته إذا كان الحيوان جلالا أو موطوءا ، فإنه لا تنافي بين الحكمين ثبوتا وإثباتا ، إذ لا إطلاق لدليل