السيد علي الموسوي القزويني

889

ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام

« الصاغرين » . وعلى ما ذكرنا فالذمّة بمعنى التذمّم والعهد والعهدة بمعنى التعهّد والضمان كلّها عبارة عن الالتزام بالحقّ ، وإن كانت الذمّة تطلق أيضاً على العنق أو النفس . وأمّا الدرك بالفتح فهو في أصل اللغة بمعنى التبعة ، ومنه قوله : « إذا لحقك درك فعليّ إصلاحه » والتبعة لغة لمعنيين ، أحدهما : ما فيه الإثم أو أصل الإثم ، وإطلاقها عليه في الأدعية كثير ، ومنه « لا تجعل لك عندي تبعة إلّا وهبتها » . والآخر : المظلمة ، والظاهر أنّ المراد بالمظلمة حقوق الناس ترد على الإنسان باعتبار ظلمه لا مطلق الظلم . وهذا هو المناسب للمقام في إطلاقات العرف وأهل الشرع ، ولك أن تقول : بأنّه في لسان أهل الشرع استعيرت لكلّ غرامة ماليّة ترد على الإنسان ويتوجّه إليه بسبب من الأسباب الاختياريّة أو القهريّة ، ومنه ضمان الدرك في باب البيع ، وعلى هذا فالدرك بحسب المعنى يغاير العهدة فلا يكون عطفه للتفسير . وحينئذٍ فتخصيصه لكون العين المأخوذ على اليد الّذي هو عبارة عن ضمان اليد المستفاد من خبر « على اليد ما أخذت » بكون عهدتها بعد التلف عليه ، غير واضح الوجه ، لأنّ ضمان اليد إنّما يثبت في العين على تقدير البقاء والبدل على تقدير التلف معاً ، لا في البدل فقط على تقدير التلف ، فإنّ العين أيضاً في عهدة آخذها والتزامه حتّى تؤدّيها وتخرج عن عهدتها بردّها إلى المالك . نعم إذا تلفت يكون بدلها مثلًا أو قيمة في عهدتها والتزامها . ثمّ الظاهر من قوله : « فإذا استوفي أحدها سقط الباقي لخروج الباقي عن كونه بدلًا أن يتعدّد بدل التالف في أوّل تعلّقه بالعهدات والذمم » وهذا أيضاً غير واضح الوجه ، بل التحقيق أنّ التعدّد في الالتزام لا في البدل الملتزم به ، بأنّ الشارع جعل لكلّ مال في الواقع بدلًا واحداً ، ومعنى كونه في العهدات المتعدّدة التزام كلّ من المتعدّدين بردّ ذلك البدل الواقعي الواحد إلى مالكه ، ولوحدته في الواقع جاء البدليّة في ملك المالك له في ذممهم ، فهو يرجع على وجه البدليّة على كلّ منهم أراد ويطالب منه البدل الواحد الواقعي ، فإذا أخذه منه سقط الالتزام والخطاب بالأداء من الباقين لبقائه بلا موضوع ، فالساقط عنهم هو الالتزام والخطاب بأداء بدل التالف لا نفس البدل لارتفاع موضوع الخطاب . ثمّ اعلم : أنّ ضمان اليد في الأيادي المتعدّدة معناه أنّ كلّ واحد منهم بأخذه مال الغير واستيلائه عليه يضمن الأمر الدائر بين العين والبدل إلّا أنّه يضمن العين منجّزاً