السيد علي الموسوي القزويني
81
ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام
« كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ » * « 1 » و « الطاهر » ومنه قوله تعالى : « فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً » * « 2 » و « الخالي عن الأذى في النفس والبدن » كما في زمان طيّب أي خالٍ عمّا يؤذي النفس والبدن من حرّ وبرد ونحوهما ، لأنّها مجازات لا يصار إليها إلّا بقرينة وهي منتفية ، أو أنّها بأسرها لوازم للمعنى الحقيقي كما يظهر بأدنى تأمّل . ويقابل الطيّبات بالمعنى المذكور ، وهي ما تستكرهه النفوس وتتنفّر عنها الطباع ، ولا ريب أنّ الأبوال سيّما أبوال الفرس والبغل والحمار منها فيعمّها التحريم . واستدلّ على المختار أيضاً بوجوه أخر غير مستقيمة : منها : ما أشار إليه في الرياض « من احتمال الخباثة فيها الموجب للتنزّه عنها ولو من باب المقدّمة » « 3 » وملخّصه أنّ هذه الأبوال يحتمل خباثتها والاحتمال يوجب الاجتناب عنها ولو بحكم المقدّمة . وهذا في غاية الضعف لأنّ الاكتفاء في إيجاب التنزّه في الشبهة التحريميّة بمجرّد الاحتمال من أصول الأخباريّة ، فيدفعه ما تحقّق في الأصول وفاقاً لأصحابنا المجتهدين من عدم الفرق في البناء على أصل البراءة بينها وبين الشبهة الوجوبيّة ، فاحتمال الخباثة لا يوجب الاجتناب جزماً . وأمّا الاستناد في ذلك إلى قاعدة المقدّمة فلم نتحقّق هنا معناه ، لأنّ مقدّميّة الاجتناب عمّا يحتمل الخباثة بدون ذي المقدّمة ممّا لا يتعقّل فكيف له الوجوب المقدّمي ؟ وهو فرع على وجوب ذي المقدّمة . ولو وجّه بأنّ الخبائث الواقعيّة يجب الاجتناب عنها وهو لا يتمّ إلّا بالاجتناب عمّا يحتمل الخباثة ، فيردّه أنّ الخبائث الواقعيّة إن أريد بها الأشياء الخبيثة في الواقع الّتي لم نعلم خباثتها فوجوب الاجتناب عنها أوّل المسألة ، بل هي من جزئيّات محلّ البحث لأنّ ما يحتمل الخباثة أعمّ ممّا هو خبيث في الواقع ولكن لم يعلم خباثته وما هو غير خبيث في الواقع ، فالاستدلال بوجوب الاجتناب عنها على وجوب الاجتناب عمّا يحتمل الخباثة مصادرة ، بل المقدّمة على هذا التقدير عين ذي المقدّمة . وإن أريد بها الخبائث الّتي علم خباثتها فالاجتناب لامتيازها عن محتملات
--> ( 1 ) البقرة : 172 . ( 2 ) النساء : 43 . ( 3 ) الرياض 13 : 462 - 463 .