السيد علي الموسوي القزويني

701

ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام

المكره ولا إشكال في صحّته ، لصدوره باختياره ورضاه وعن طيب نفسه وإن كان الباعث عليه خوف الضرر ، بل أكثر البيوع الصادرة من الناس ولا سيّما أهل الأسواق ولا سيّما التجّار إنّما تصدر لخوف الضرر بتركها . ويعتبر في تحقّقه أيضاً كون الإيعاد على ترك العقد على معنى كون المتوعّد على تركه نفس العقد لا أمراً آخر حاملًا للعاقد على اختيار العقد ، فمن أوعد على ترك دفع مال كالظالم إذا طلب منه مالًا ظلماً وأوعده على عدم دفعه ، وتوقّف دفعه على بيع بعض أمواله أو أملاكه أو عقاراته ، فباعه للتفصّي عن الضرر المتوعّد به على عدم دفع المال ، فبيعه ليس من عقد المكره ولا إشكال في صحّته ، لحصوله باختياره وعدم كرهه في أصل البيع وإن كان مكرهاً في دفع المال ، وهذا أيضاً كثير شائع وقوعه بين الناس . ثمّ إنّهم اعتبروا في تحقّق موضوع الإكراه شروطاً ثلاث ذكروها في كتاب الطلاق في باب طلاق المكره : وهي أن يكون المكرِه - بالكسر - قادراً على فعل ما أوعد به من قتل أو جرح أو ضرب أو حبس أو إهانة أو استخفاف أو هتك عرض ، وغلبة ظنّ المكرَه - بالفتح - على أنّه يفعل ما أوعده به ، وأن يكون ما أوعده به مضرّاً بخاصّة نفسه أو متعلّقه كأبيه وابنه وامّه وأخيه . والسرّ في اعتبار هذه الأمور أنّ الأصل في أفعال الإنسان هو الاختيار ويعبّر عنه ب‍ « أصالة الاختيار » ومدركها الغلبة ، وأنّ الظاهر من العقد الصادر من البالغين الكاملين هو تحقّق القصود الأربع المتقدّمة الّتي رابعها قصد وقوع الأثر في الخارج والرضا به وطيب النفس فيه وعدم الكره فيه . فلا بدّ في صدق كون العاقد مكرهاً وتحقّق الكراهة فيه عند الإيعاد بالإضرار على تركه العقد من حصول ما يزاحم أصالة الاختيار والظهور اللفظي ، ويوجب الخروج عنهما بظهور عدم الاختيار وتحقّق الكره - أعني ما يكشف عن الكره وعدم الاختيار - وليس إلّا الإيعاد المقترن بالأمور الثلاث ، ضرورة أنّ إيعاد من لا يقدر على فعل ما أوعد به ، أو إيعاد من لا يغلب على الظنّ أنّه يفعل ما أوعد به ، أو الإيعاد بما لا يكون مضرّاً بخاصّة نفس العاقد أو متعلّقه لا يكشف عن الكره وعدم الاختيار ، فيكون الأصل والظهور اللفظي على حالهما ويجب الأخذ بهما ومقتضاهما الصحّة . وهل يعتبر في موضوع الإكراه عجز المكرَه عن التفصّي عن الضرر المتوعّد به