السيد علي الموسوي القزويني

503

ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام

يدفعها : أنّ الصغرى محرزة بالفرض باعتبار كون المعاطاة المبحوث عنها من التجارة عن تراض ، فإنّ التجارة بحسب العرف واللغة هو الاكتساب وهو عبارة عن تحصيل المال على وجه الملك والتملّك ، والظاهر أنّ كلًاّ من المتعاطيين يقصد بدفع ماله وأخذ مال صاحبه عوضاً عنه تحصيل المال على الوجه المذكور ، فيكون أكله من أكل المال المأخوذ بطريق التجارة عن تراض إذ المفروض تراضيهما بما يقصدان بالأخذ والإعطاء . لا يقال : إنّ قصارى ما يدلّ عليه الآية إنّما هو حلّيّة أكل هذا المال ، والحلّيّة حكم تكليفي لا يلازم الحكم الوضعي وهو الصحّة ، والكلام إنّما هو في الحكم الوضعي لا التكليفي فقط ، فالآية تنهض دليلًا للقائلين بالإباحة فلا يثبت بها الصحّة والملكيّة بل لو قدّرت كلمة « إلّا » وصفيّة على حدّ ما في قوله تعالى « لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا » « 1 » كما احتمله بعضهم لم تفد الآية للمستثنى حكماً لا تكليفاً ولا وضعاً ، بل كان في حكم المسكوت عنه كما هو واضح . لأنّا نقول - مع أنّ احتمال الوصفيّة ضعيف لا ينبغي الالتفات إليه لانتفاء ما هو من شروط الاستثناء الوصفي وهو نكارة المستثنى منه كما في الآية المشار إليها : إنّ الصحّة تستفاد من الآية باعتبار نفي البطلان أو رفع توهّمه بالاستثناء عن التجارة عن تراضٍ . وتوضيح المقام : أنّه قد اختلفت القراءة في إعراب « تجارة » من حيث الرفع والنصب ، ومنه اختلف القول في اعتبار « تكون » ناقصة أو تامّة ، وهاهنا اختلاف آخر في انقطاع الاستثناء - كما هو ظاهر الأكثر - واتّصاله ، قال الشيخ الطبرسي في تفسيره مجمع البيان : « قرأ أهل الكوفة تجارة نصباً والباقون الرفع . . . إلى أن قال : من رفع فتقديره إلّا أن تقع تجارة عن تراض فالاستثناء منقطع لأنّ التجارة عن تراضٍ ليس من أكل المال بالباطل ، ومن نصب تجارة احتمل ضربين ، أحدهما : إلّا أن تكون التجارة تجارة عن تراض ، والآخر : إلّا أن تكون الأموال أموال تجارة ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه ، فالاستثناء على هذا الوجه أيضاً منقطع » « 2 » انتهى . أقول : جعل « تكون » تامّة بمعنى تقع على قراءة الرفع لعلّه ارتكاب خلاف ظاهر

--> ( 1 ) الأنبياء : 22 . ( 2 ) مجمع البيان 1 : 58 - 59 .