السيد علي الموسوي القزويني
380
ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام
أنّه سهو من عدم فهم حقيقة مراد المستدلّ ، فإنّ الظاهر أنّه أراد بعدم الاختصاص به تعلّق حقّ الغير به من جهة إيجاب الشارع له عليه ليعود نفعه إلى الغير من المستأجر أو غيره ، وعليه يرجع مفاده إلى ما تقدّم من أنّ المستحقّ لا يستحقّ ثانياً . وتحقيق المقام على وجه يعلم منه ما هو الحقّ في المسألة وينكشف به صحّة الأدلّة وسقمها يستدعي تأسيس قاعدة ، وهي أنّه لا إشكال في أنّ عمل الإنسان محترم فلا يخرج منه مجّاناً وبلا عوض إلّا بما يسقط به احترامه ، وحينئذٍ فكلّ عمل للإنسان لا يخلو إمّا أن لا يشتمل على منفعة محلّلة مقصودة للعقلاء عائدة إلى غيره ، أو يشتمل على نحو هذه المنفعة ، والأوّل لا يصلح مورداً لعقد الإجارة ولا يجوز أخذ الأجرة فلو أخذها كان آكلًا للمال بالباطل ، لأنّ عقد الإجارة إنّما شرّع لنقل المنافع المحلّلة المقصودة للعقلاء ، ولا يختصّ ذلك بما إذا كان العمل المذكور واجباً ، بل يجري في المندوبات بل المباحات الأصليّة أيضاً إذا لم يكن لها المنفعة المذكورة . وعلى الثاني فإمّا أن يجوز له الامتناع من الإتيان بذلك العمل وبذله لغيره ممّن يعود إليه نفعه ، ولو امتنع فليس لأحد استخراجه منه مجّاناً ولو بإجبار وإكراه بل جواز استخراجه منه كذلك يتوقّف على رضاه وطيب نفسه ، أو لا يجوز له الامتناع ولو امتنع جاز استخراجه منه مجّاناً ولو بقهر عليه وإجبار له عليه من غير توقّف على رضاه وطيب نفسه . والأوّل ممّا لا ينبغي التأمّل في جواز أخذ الأجرة عليه ، لأنّه يصلح مورداً لعقد الإجارة ، والعقد يقع مؤثّراً في نقل العمل ومنفعته إلى المستأجر ونقل الأجرة إلى الأجير . والثاني كالعمل المستأجر عليه من كتابة أو خياطة ثوب أو نحو ذلك حيث ليس له أن يمتنع من بذله والإتيان به ، ولو امتنع كان للمستأجر استخراجه منه قهراً وإجباره على الإتيان به من غير توقّف على رضاه وطيب نفسه ، وهذا ممّا لا يقع عليه عقد الإجارة ثانياً ولا يستحقّ عليه اجرة أخرى من المستأجر الأوّل أو من غيره ، ولو وقع لم يكن صحيحاً ومؤثّراً في تملّك الأجرة واستحقاقها ، لأنّ قضيّة عقد المعاوضة أن لا يؤثّر في تملّك أحد العوضين إلّا حيث أثّر في تملّك العوض الآخر ، وهذا العقد لا يؤثّر في تملّك المستأجر للعمل ومنفعته ولا في استحقاقه ، لأنّه ملّكه