السيد علي الموسوي القزويني
372
ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام
لزوم خلاف وضع عقود المعاوضة من وقوع العوضين معاً لشخص واحد هو أحد المتعاقدين ، وأمّا الثاني فلفرض اعتبار المباشرة فيه ، ومعناه عدم قبوله التسبيب ولا النيابة ، فيكون أخذ الأجرة على التقديرين أكلًا للمال بالباطل فيحرم . وأمّا النوع الثاني : [ أي ما لا يعتبر فيها المباشرة ] فحكمه أنّه يقع مورد لعقد الإجارة ويحلّ أخذ الأجرة عليه ، ولا يعتبر فيه قصد النيابة ولا النيّة ، وقصد القربة من العامل وهو البنّاء في بناء المسجد مثلًا لكون النيّة في نحوه وظيفة الباني فإنّه ببنائه على وجه التسبيب ينوي القربة . والسرّ فيه أنّ فعل البناء من عامله وهو البنّاء إذا لم يقترنه النيّة وقصد القربة منه كان من أفعاله المباحة ، وهذا الفعل المباح يقع للباني ويعود نفعه وفوائده والثواب المعدّ له إليه ، ولأجل ذلك يصلح مورداً لعقد الإجارة ويملك الأجرة المجعولة بإزائه ، ومن هذا القبيل عمل الراثين والذاكرين والقارين لمصائب مولانا الشهيد عليه وعلى أصحابه الشهداء آلاف تحيّة وثناء في أخذهم الأجرة من البانين ، فإنّ إقامة العزاء لهم عليهم السلام على ما استفيد من أدلّة استحبابها أعمّ ممّا يحصل بمباشرة المكلّف وما يحصل بتسبيبه ، والقاري الراثي إذا لم ينو بفعله القربة كان من أفعاله المباحة ويعود نفعه وفوائده إلى الباني الآمر له بالقراءة ، حيث استفيد من أدلّة استحباب إقامة العزاء كونها أعمّ ممّا يحصل بطريق التسبيب . وأمّا النوع الثالث : [ أي ما لا يعتبر فيها المباشرة أيضاً لما استفيد من دليل استحبابها قبولها النيابة ] فحكمه أنّه أيضاً يقبل الإجارة ويؤخذ فيه الأجرة ، كما في الاستيجار على الحجّ وفوائت الميّت وغيرهما من الأمثلة المتقدّمة ، ولكنّه يعتبر فيه من العامل قصد النيابة وقصد القربة معاً . والسرّ في الجميع أنّه قد ذكرنا أنّ عقد الإجارة لا يجري إلّا في عمل يصحّ عوضاً للُاجرة ، بأن يكون بحيث يعود نفسه أو منفعته إلى المستأجر ، ومن منافع عمل الإنسان في نوع ما يقبل النيابة قيامه مقام عمل غيره فله حينئذٍ أن يقيم عمله مقام عمل ذلك الغير تبرّعاً أو بأُجرة ، فعقد الإجارة يقع على ذلك وفائدته قيام عمله مقام عمل ذلك الغير لأنّه بعد إقامة عمله مقام عمل الغير صار هو بمنزلة ذلك الغير ، فيصير عمله الواقع منه في الخارج عمله ويكون تقرّبه وقصده للتقرّب تقرّبه وقصده ، ويكون جميع الفوائد