السيد علي الموسوي القزويني

305

ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام

النميمة الّتي هي من أكبر السحر وترتّب آثار فنون الفساد واضح لا يمكن إنكاره إلّا من مكابر متعسّف . ويدلّ على ذلك الرواية المرويّة عن الاحتجاج في حديث الزنديق الّذي سأل أبا عبد اللّه عليه السلام عن مسائل كثيرة ، منها ما ذكره بقوله : « أخبرني عن السحر ما أصله ؟ وكيف يقدر الساحر على ما يوصف من عجائبه وما يفعل ؟ قال أبو عبد اللّه عليه السلام : إنّ السحر على وجوه شتّى : منها بمنزلة الطبّ كما أنّ الأطبّاء وضعوا لكلّ داء دواءً ، فكذلك علم السحر احتالوا لكلّ صحّة آفة ولكلّ عافية عاهة ولكلّ معنى حيلة ، ونوع آخر منه خطفة وسرعة ومخاريق وخفّة ، ونوع منه ما يأخذه أولياء الشياطين منهم ، قال : فمن أين علم الشياطين السحر ؟ قال : من حيث علم الأطبّاء الطبّ بعضه بتجربة وبعضه بعلاج ، قال : فما تقول في الملكين هاروت وماروت وما يقول الناس إنّهما يعلّمان السحر ؟ قال : إنّما هما موضع ابتلاء وموقف فتنة ، تسبيحهما اليوم لو فعل الإنسان كذا وكذا لكان كذا ، ولو تعالج بكذا وكذا لصار كذا ، فيتعلّمون منهما ما يخرج عنهما فيقولان لهم إنّما نحن فتنة فلا تأخذوا عنّا ما يضرّكم ولا ينفعكم قال : أفيقدر الساحر على أن يجعل الإنسان بسحره في صورة كلب أو حمار أو غير ذلك ؟ قال : هو أعجز من ذلك ، وأضعف من أن يغيّر خلق اللَّه ، إنّ من أبطل ما ركّبه اللَّه تعالى وصوّر غيره فهو شريك اللَّه في خلقه ، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً ، لو قدر الساحر على ما وصفت لدفع عن نفسه الهَرَم والآفة والأمراض ، ولنفى البياض عن رأسه والفقر عن ساحته ، وأنّ من أكبر السحر النميمة يفرّق به بين المتحابّين ، ويجلب العداوة على المتصافّين ، ويسفك به الدماء ، ويهدم بها الدور ، ويكشف بها الستور ، والنمّام شرّ من وطأ الأرض بقدمه ، فأقرب أقاويل السحر من الصواب أنّه بمنزلة الطبّ ، أنّ الساحر عالج الرجل فامتنع من مجامعة النساء فجاءه الطبيب فعالجه بغير ذلك فأبرأه . . . » « 1 » الحديث . المقام الثاني : في حكم السحر الّذي يتكلّم فيه تارةً من حيث علمه ، وأخرى من

--> ( 1 ) الاحتجاج 2 : 81 .