السيد علي الموسوي القزويني

298

ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام

خالقها قوّة عالية نافذة في هذا العالم ، وفوّض إليها تدبير هذا العالم فهي الخالقة لها المدبّرة فيها بتفويض منه تعالى ، فالساحر عند هؤلاء الأقوام من يعرف تلك القوى العالية الفعّالة بسائطها ومركّباتها ، ويعرف ما يليق بالعالم السفلى ، ويعرف معدّاتها ليعدّها وعوائقها ليرفعها بحسب الطاقة البشريّة ، فيكون متمكّناً من استحداث الخوارق للعادة . النوع الثاني : سحر أصحاب الأوهام والنفوس القويّة وهي النفوس الناطقة ، فإذا صارت صافية عن الكدورات البدنيّة صارت قابلة للأنوار الفائضة من الأرواح السماويّة والنفوس الفلكيّة ، فتتقوّى هذه النفوس بأنوار تلك الأرواح فتقوّي على أمور غريبة خارقة للعادة . النوع الثالث : الاستعانة بالأرواح الأرضيّة الّتي هي الأجنّة ، والقول بالجنّ وإن كان أنكره بعض متأخّري الفلاسفة والمعتزلة إلّا أنّ أكابرهم أثبتوه وسمّوها بالأرواح الأرضيّة ، قالوا : وهي في أنفسها مختلفة منها خيّرة ومنها شريرة ، فالخيّرة منهم مؤمنو الجنّ ، والشريرة هم كفّار الجنّ وشياطينهم ، ويجوز الاتّصال بهذه الأرواح الأرضيّة بواسطة أعمال سهلة قليلة من قراءة الرقي والدخون والبخورات والتجريد ، فيستعان بها في علاج المصاب وكشف الغائبات والأخبار بالمغيبات وهو السحر . النوع الرابع : التخيّلات والأخذ بالعيون ، والأصل في ذلك أنّ القوّة الباصرة كثيراً ما تبصر الشيء على خلاف ما هو عليه ، وبذلك كثرت أغلاطها ، ومن ذلك السفينة إذا نظر إلى الشطّ رأى السفينة واقفة والشطّ متحرّكاً ، وهذا يدلّ على أنّ الساكن يرى متحرّكاً والمتحرّك يرى ساكناً . والقطرة نازلة ترى خطّاً مستقيماً ، والزبالة الّتي تدار بسرعة ترى دائرة إلى غير ذلك . وأنّها إنّما تقف على المحسوس وقوفاً تامّاً إذا أدركته في زمان معتدّ به ، فأمّا إذا أدركته في زمان صغير جدّاً ثمّ أدركت بعده محسوساً آخر كذلك وهكذا ، فإنّه يختلط البعض بالبعض ولا يتميّز بعض المحسوسات عن بعض ، وأنّ النفس إذا كانت بشيء فربّما حضر عند الحسّ شيء آخر فلا يشعر به الحسّ البتّة . ومن هذه المقدّمات يعلم السرّ في أنّ المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يشغل أذهان الناظرين به ويأخذون عيونهم إليه متعجّبين منه متحيّرين فيه متفكّرين في