السيد علي الموسوي القزويني
291
ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام
أقول : يمكن أن يكون وجهه أنّ ترك الردّ الغيبة والسكوت على فاعلها يتضمّن الإخلال بواجبات عديدة والدخول في محرّمات كثيرة متصادقة عليه لجهات مجتمعة فيه ، فإنّ الردّ واجب وتركه معصية وهو يوجب تحقّق الاستماع لا للردّ وهو معصية أخرى ، ويتضمّن الإخلال بالنهي عن المنكر وهو معصية ثالثة ، ويكون من الحمل على المنكر على معنى تقرير فاعل المنكر على منكره وهو معصية رابعة ، ويندرج في الإعانة على الإثم باعتبار أدائه إلى جرأة الفاعل وإصراره على الإثم وهو معصية خامسة ، وقد يتضمّن محبّة شيوع فاحشة المغتاب فيندرج في قوله تعالى : و « الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا » « 1 » وهو معصية سادسة ، وقد يتحقّق معه الركون إلى الظالم على معنى الميل إليه ، وفاعل الغيبة ظالم فيندرج في قوله تعالى : « وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا » « 2 » وهو معصية سابعة ، وربّما يتحقّق في نفسه الرضا بعمل الفاعل فيندرج في الأخبار الدالّة على « أنّ الراضي بعمل قوم كالداخل معهم » « 3 » وهو معصية ثامنة ، ومع هذا كلّه فالعلم عند اللَّه فإنّ الحكم الخفيّة لا يعلمها إلّا اللَّه . ثمّ إنّ وجوب ردّ الغيبة ليس لأمر يرجع إلى المتكلّم وهو النهي عن المنكر بقول « لا تغتب » بل لأمر يرجع إلى المغتاب وهو الانتصار له ودفع الغيبة عنه ، ولذا عبّر في الأخبار الواردة فيه تارة بالردّ ، وأخرى بالنصر ، وثالثة بالدفع ، ورابعة بالذبّ عنه ، وكيفيّته فيما لو كان الاغتياب بذكر عيب دنيوي في بدن المغتاب أو خلقه أو غير ذلك أن يقول : العيب ما عابه اللَّه سبحانه وليس إلّا المعاصي وذكرك إيّاه أكبرها ، وفيما لو كان عيباً دينيّاً كالمعصية فإن كان قابلًا للتوجيه بإرجاعه إلى إحدى المحامل الصحيحة بحيث يخرج عن المعصية يبادر إليه ، وإلّا فيقول في ردّه : إنّ الإنسان ليس بمعصوم وقد يستولي عليه الشيطان ، ويغلب عليه النفس الأمّارة ، كما هو شأنك في اغتيابك هذا ، ولعلّه أعظم من معصيته ، ومن حقوقه أن تستغفر له لا أن تعيّره وتعيّبه ، ويلزم منه عيب فيك أعظم من معصيته .
--> ( 1 ) النور : 19 . ( 2 ) هود : 113 . ( 3 ) الوسائل 16 : 141 / 12 ، ب 5 أبواب الأمر والنهي ، نهج البلاغة 191 / 154 .