السيد علي الموسوي القزويني

266

ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام

السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ » « 1 » وكأنّه لزعم أنّ المراد بالانتصار طلب النصرة ولا يكون إلّا من المظلوم في مقام التظلّم عند من يرجو إزالة مظلمته . وفيه نظر ، لأنّ الانتصار كما فسّره المفسّرون وذكره بعض أهل اللغة ويدلّ عليه سياق الآية والقرائن الموجودة معها سبقاً ولحوقاً خصوصاً ما سبق عليها من قوله تعالى : « وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ » « 2 » أريد به في الآية ما يقابل العفو وهو الانتقام ، وقوله : « ما عليهم من سبيل » يعني به سبيل المؤاخذة والمعاقبة في دار الآخرة فيفيد الرخصة في انتقام المظلوم عن ظالمه وهو أن يصنع عليه مثل ما صنعه عليه كما أشار إليه بقوله : « وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها » فتكون الآية مساوقة لقوله : « فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » « 3 » وفي معناه قوله : « فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ » « 4 » فلا تعلّق لها بما نحن فيه . وتوهّم : أنّ الحكمة في انتقام المظلوم إنّما هو لما فيه من شفاء الصدر وتشفّي القلب ، وهذا موجود في التظلّم أيضاً ، لأنّ المظلوم يتشفّى قلبه بمذاكرة مظلمة ظالمه في المجالس والمحافل . يدفعه : أنّه يرجع إلى استنباط العلّة من غير دلالة النصّ عليها ، فالتعدّي عن مورده إلى غيره قياس لا نقول به . ويمكن كون مبنى الاستدلال على الفحوى والأولويّة ، بتقريب أنّ تظلّم المظلوم عن ظالمه أهون من انتقامه منه ، فلو كان مبناهما في الشريعة على التحريم كان الانتقام أغلظ حكماً وأشدّ مفسدة من التظلّم ، وإذا صحّ الترخيص في الأوّل بنصّ الآية كان الثاني أولى بالترخيص فيه . وفيه أيضاً منع ، لقصور العقول عن إدراك الحكم الخفيّة ، مع إمكان دعوى كون الأولويّة في العكس لأنّ التظلّم إشاعة سوء وهتك عرض يوجب فيه الفضيحة العظمى . واستدلّ أيضاً [ بنصوص ] منها : ما روي عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بسند قويّ

--> ( 1 ) الشورى : 41 - 42 . ( 2 ) الشورى : 39 . ( 3 ) البقرة : 194 . ( 4 ) البقرة : 193 .