السيد علي الموسوي القزويني
13
ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام
وقد يستدلّ بعدّة من الآيات : منها : قوله تعالى و « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ » « 1 » بتقريب أنّ التحريم المتعلّق بالأعيان يعمّ جميع أنواع التصرّف والانتفاع ومنها التجارة والتكسّب بها . وفيه : أنّه في كلّ عين - على ما حقّق في الأصول - ينصرف إلى الجهة المقصودة منها في الغالب ، كالأكل في المأكول كما في الأمثلة المذكورة ، والشرب في المشروب كالخمر ، والوطء في الموطوء كما في « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ » « 2 » الآية . ومنها : قوله تعالى أيضاً في الخمر : « رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ » « 3 » بتقريب أنّه تعالى أوجب الاجتناب عن الخمر لكونه رجساً ، وهو لا يتحقّق مع التصرّف فيه بالتجارة فيجب اجتنابها . وفيه : أنّه لا يتمّ إلّا على تقدير حمل الرجس على إرادة النجاسة الشرعيّة ، وهو موضع منع . ودعوى : أنّ الرجس لغة القذر والمراد به النجاسة الشرعيّة ، ويؤيّده ما عن الشيخ في التهذيب من « أنّ الرجس هو النجس بلا خلاف » « 4 » وكلامه يحتمل وجهين : أحدهما : دعوى عدم الخلاف بين علماء اللغة في كون القذر في معنى الرجس هو النجس لغةً . والآخر : دعوى عدم الخلاف بين علماء التفسير أو الفقهاء في أنّ المراد من الرجس في الآية هو النجس وإن لم يكن القذر في معناه هو النجس لغةً ، وأيّاً ما كان فالاستدلال ناهض على المطلوب ، ثمّ يتمّ في غير الخمر بالإجماع المركّب وعدم القول بالفصل . يدفعها أوّلًا : أنّ القذر في معنى الرجس بحسب اللغة أعمّ من النجاسة الشرعيّة والخباثة المعنويّة الّتي ملاكها استنفار الطبع السليم واستقباحه ، فالخبيث ما يستنفره الطبع السليم ويستقبحه فلِمَ لا يجوز أن يكون المراد به الخباثة المعنويّة ، ويصدق على الخمر باعتبار كونه ممّا يستقبحه الشرع أو يستقبح شربه ، وأيّ طبع سليم يكون أسلم
--> ( 1 ) المائدة : 3 . ( 2 ) النساء : 23 . ( 3 ) المائدة : 90 . ( 4 ) التهذيب 1 : 278 .