السيد علي الموسوي القزويني
123
ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام
الرجس بما هو كذلك في ذاته ، أو تخصيص الأمر بالاجتناب بالاستعمالات المشروطة بالطهارة كالأكل والشرب وغيرهما . مع أنّ الآية إنّما تدلّ على وجوب اجتناب ما كان رجساً من عمل الشيطان ، ومعنى كونه من عمل الشيطان أنّه من مبتدعاته ومخترعاته كالخمر والميسر والأنصاب والأزلام ، فلا يتناول المتنجّسات لأنّها ليست من عمل الشيطان ومخترعاته كما هو واضح . وإن أريد من عمل الشيطان كون عمل المكلّف حاصلًا في الخارج بإغوائه ليكون المراد بالمذكورات استعمالها على النحو الخاصّ ، فالمعنى أنّ الانتفاع بها رجس من عمل الشيطان ، كما يقال في سائر المعاصي أنّها من عمل الشيطان لحصول الجميع بإغوائه ، فلا تدلّ الآية على وجوب اجتناب الاستعمالات إلّا إذا ثبت حرمتها بدليل ، وهو في المتنجّس أوّل الكلام . ومنها : قوله تعالى : « وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ » « 1 » فإنّ الرجز هو القذر ، وإن اطلق على معانٍ اخر في الكتاب العزيز مثل عبادة الأوثان والشرك والعذاب ، والقذر هو النجس أو أعمّ منه ومن القذر المعنوي ، فيعمّ المتنجّس فيجب هجرانه . وفيه : أنّه ظاهر فيما يكون رجزاً في نفسه فلا يتناول ما يعرضه الرجزيّة ، مع أنّه لو عمّم بالقياس إلى المتنجّس بجميع أنواعه وأفراده لزم تخصيص الأكثر حسبما بيّنّاه في أجوبة الآية السابقة ، فوجب تقييده بما يكون كذلك في ذاته أو تخصيص الأمر بالهجران بخصوص الأكل والشرب وغيرهما من الاستعمالات المشروطة بالطهارة ، مع احتمال أن يراد هجرانه في خصوص الصلاة إن أريد به النجس الشرعي بقرينة أنّ تطهير الثياب معتبر للصلاة . ومنها : قوله تعالى : « وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ » « 2 » بناءً على أنّ كلّ متنجّس خبيث فيفيد تحريم مطلق الاستعمال . وفيه : أوّلًا منع كلّيّة المقدّمة الأولى كما هو واضح ، ثانياً منع المقدّميّة ، بل الظاهر أنّ المراد هنا حرمة الأكل خاصّة بقرينة مقابلته لحلّيّة الطيّبات الّتي أريد منها خصوص الأكل .
--> ( 1 ) المدّثر : 5 . ( 2 ) الأعراف : 175 .