الشيخ الأنصاري
68
كتاب الصلاة
وكيف كان ، فدليل وجوب التمام مع نيّة العود هو : أنّه ما تلبّس حين الخروج إلّا بمسافةٍ لم تبلغ الحدّ الشرعي ، والمسافة الشرعيّة التي قصدها إنّما يتلبّس بها بعد الأخذ في العود . نعم ، لو فرض أنّه خرج عن موضع الإقامة ناوياً لمقصد يكون على المسافة أو أزيد ، لكن طريقه على وجهٍ لا بدّ أن يبعد عن المقام مقداراً لا يبلغ المسافة ثمّ يعاد في حدود المقام أو في نفسه ليذهب إلى مقصده ، وحينئذٍ فالأقوى القصر ؛ لصدق التلبّس بالمسافة حين الخروج ، نظراً إلى أنّ المقدار الذي بعد عن المقام ثمّ عاد إلى حدوده لم يكن مقصوداً بنفسه ، بل هو في الحقيقة وسط الطريق والمسافة ، لا مبدؤها . والحاصل : أنّ المناط في القصر عند الخروج أن تعدّ مسافته جزءاً من السفر المقصود بحيث يتمّ بها المسافة لو قصرت بدونها ليتحقّق التلبّس بالضرب في المسافة الشرعيّة من حين الأخذ فيه ، ولمّا كان هذا المعنى موجوداً في هذا الفرض الأخير حكم بالقصر عنده ، وهذا المعنى منتفٍ في أصل المسألة ، ولذا لو فرض أنّ مسافة العود إلى المقام ومنه إلى أحد القواطع لا تبلغ مسافة إلّا بضمّ مسافة الخروج الناقصة عن الأربع إليها لم يحكم بالقصر ، كما لو قصد المقيم في النجف أن يخرج إلى ثلاثة فراسخ في جانب البحر ثمّ يعود ويذهب إلى ذي الكفل ناوياً للإقامة فيه ثمّ الخروج إلى وطنه ، فإنّ الظاهر أنّه لا مجال للحكم بالقصر في هذه الصورة على مذهب جمهور الأصحاب القائلين بعدم التلفيق فيما دون الأربعة ، وليس ذلك إلّا لعدم احتساب الذهاب إلى مقصدٍ جزءاً من المسافة ، فإذا لم يكن جزءاً منه فإذا فرض كون الإياب بنفسه مسافة ، فالأخذ في الذهاب ليس تلبّساً بالمسافة الشرعيّة .