الشيخ الجواهري
8
جواهر الكلام في ثوبه الجديد
« هذه الصلوات الخمس المفروضات من أقامهنّ وحافظ على مواقيتهنّ لقي اللَّه يوم القيامة وله عنده عهد يدخل به الجنة ، ومن لم يصلّهن لمواقيتهنّ ولم يحافظ عليهنّ فذلك للَّه ، إن شاء غفر له وإن شاء عذّبه » « 1 » . وصلاة فريضة خير من عشرين حجة ، كلّ حجة خير من بيت مملوّ ذهباً يتصدَّق منه حتى يفنى « 2 » . بل صلاة فريضة أفضل من ألف حجة ، كلّ حجة أفضل من الدنيا وما فيها « 3 » ، وأنّ طاعة اللَّه خدمته في الأرض ، وليس شيء من خدمته يعدل الصلاة ، فمن ثمّة نادت الملائكة زكريّا وهو قائم يصلّي في المحراب « 4 » ، وإذا قام المصلّي إلى الصلاة نزلت عليه الرحمة من أعنان السماء إلى أعنان الأرض ، وحفّت به الملائكة ، وناداه ملك لو يعلم هذا المصلّي ما في الصلاة ما انفتل « 5 » ، إلى غير ذلك ممّا ورد فيها ممّا لا يحصى عدده ، كخبر الشامة « 6 » وغيره . مع أنّ في الاعتبار ما يغني عن الآثار ؛ إذ قد جمعت ما لا يجمعه غيرها من العبادات من عبادة اللسان والجنان بالقراءة والذكر والاستكانة والشكر والدعاء الذي ما يعبأ اللَّه بالعباد لولاه ، وظهور أثر العبوديّة للمعبود بالركوع والسجود وجعل أعلى موضع وأشرفه على أدنى موضع وأخفضه ، وقد كتب الرضا عليه السلام إلى محمّد بن سنان فيما كتب من جواب مسائله : « إنّ علّة الصلاة أنّها إقرار بالربوبيّة للَّه عزّ وجلّ ، وخلع الأنداد ، وقيام بين يدي الجبّار جلّ جلاله بالذلّ والمسكنة والخضوع والاعتراف والطلب للإقالة من سالف الذنوب ، ووضع الوجه على الأرض كلّ يوم إعظاماً للَّه عزّ وجلّ ، وأن يكون ذاكراً غير ناسٍ ولا بطراً على ذكر اللَّه عزّ وجلّ بالليل والنهار لئلّا ينسى العبد سيّده ومدبّره وخالقه فيبطر ويطغى ، ويكون في ذكره لربّه عزّ وجلّ وقيامه بين يديه زاجراً له عن المعاصي ومانعاً له من أنواع الفساد » « 7 » . وغير ذلك ممّا لا يخفى على من لاحظ أسرار الصلاة . ولا يختصّ هذا الفضل بخصوص الفرائض الخمس من الصلوات وإن اختصّت بعض الأخبار بها ، بل قد يقال بانصراف ما كان موضوعه لفظ الصلاة إليها ؛ لأنّها هي المعهودة المستعملة التي لم يسأل العبد بعد أدائها عن غيرها « 8 » ، إلّا أنّ التأمّل فيما ورد عنهم عليهم السلام - بل هو صريح البعض - يقضي بعدم الفرق بين الفرض والنفل في هذا الفضل ، وأنّهما جميعاً خير العمل . كما أنّه لا يشكل فضل الصلاة على الحجّ المشتمل على الصلاة وغيرها ، بعد ظهور هذه العبارة كنظائرها في إرادة باقي أجزاء الحجّ غيرها ؛ إذ لكلّ جزء منه فضل مستقلّ وإن كان هو جزءاً ، أو يراد بالصلاة المفضّلة عليه إحدى الفرائض الخمس ، أو غير ذلك .
--> ( 1 ) الوسائل 4 : 107 ، ب 1 من المواقيت ، ح 1 ، مع اختلاف . ( 2 ) الوسائل 4 : 39 ، ب 10 من أعداد الفرائض ، ح 4 . ( 3 ) المصدر السابق : 40 ، ح 8 . ( 4 ) المصدر السابق : 39 ، ح 5 . ( 5 ) الوسائل 4 : 32 ، ب 8 من أعداد الفرائض ، ح 3 . ( 6 ) الوسائل 4 : 16 ، ب 2 من أعداد الفرائض ، ح 9 . ( 7 ) الوسائل 4 : 9 ، ب 1 من أعداد الفرائض ، ح 7 ، مع اختلاف . ( 8 ) الوسائل 4 : 12 ، ب 2 من أعداد الفرائض ، ح 2 .