سيد محمد باقر شفتي

42

مقالة في تحقيق إقامة الحدود في هذه الأعصار

جعفر في نهايته ، وقد اعتذرنا له فيما يورده في هذا الكتاب - أعني النهاية - في عدّة مواضع ، وقلنا : إنّه يورده إيرادا من طريق الخبر لا اعتقادا من جهة الفتيا والنظر ؛ لأنّ الإجماع حاصل منعقد من أصحابنا ومن المسلمين جميعا ، أنّه لا يجوز إقامة الحدود ؛ ولأنّ المخاطب بها الأئمّة والحكّام القائمون بإذنهم في ذلك ، وأمّا غيرهم فلا يجوز له التعرّض بها على حال ، ولا يرجع عن هذا الإجماع بأخبار الآحاد ، بل إجماع مثله أو كتاب الله أو سنّة متواترة مقطوع بها . فإن خاف الإنسان على نفسه من ترك إقامتها ، فإنّه يجوز له أن يفعل في حال التقيّة ما لم يبلغ قتل النفوس ، فلا يجوز فيه التقيّة عند أصحابنا بلا خلاف بينهم . وأمّا الحكم بين الناس والقضاء بين المختلفين فلا يجوز أيضا إلّا لمن أذن له سلطان الحقّ في ذلك ، وقد فوّضوا ذلك إلى فقهاء شيعتهم المأمونين المحصّلين الباحثين عن مآخذ الشريعة ، الديّانين القيّمين بذلك في حال لا يتمكّنون فيه من تولّيه بنفوسهم ، فمن تمكّن من إنفاذ حكم وهو من أهله ، أو إصلاح بين الناس ، أو فصل بين المختلفين فليفعل ذلك ، وله به الأجر والثواب ما لم يخف في ذلك على نفسه ، ولا على أحد من أهل الإيمان ، ويأمن الضرر فيه ، فإن خاف شيئا من ذلك لم يجز له التعرّض له على حال « 1 » . قال شيخنا الراوندي في فقه القرآن في تفسير قوله تعالى : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ « 2 » ما هذا لفظه : والخطاب وإن كان متوجّها إلى الجماعة فالمراد به الأئمّة بلا خلاف ؛ لأنّ إقامة الحدود ليس لأحد إلّا الإمام ، أو من نصبه الإمام « 3 » . وقال شيخنا الطبرسي في مجمع البيان في تفسير الآية : فَاجْلِدُوا [ هذا ] خطاب للأئمّة أو من كان منصوبا للأمر من جهتهم ؛ لأنّه ليس لأحد أن يقيم الحدود إلّا للأئمّة عليهم السّلام وولاتهم بلا خلاف « 4 » .

--> ( 1 ) . السرائر 2 : 24 - 25 . ( 2 ) . النور ( 24 ) : 2 . ( 3 ) . فقه القرآن 2 : 372 . ( 4 ) . مجمع البيان 7 : 124 ، ذيل الآية 2 من سورة النور ( 24 ) .