الميرزا القمي

1034

رسائل الميرزا القمي

نقائص نفسه ، وجميع كمالات من يلتجئ إليه في حوائجه . فكلّ جنبة من الاحتياج توجب زيادة جنبة من المعرفة ، فتتزايد المعرفة بتزايد ذلك ، حتّى تبلغ الكمال ، وكأنّه لذلك قد خفي على الملائكة في خلق آدم عليه السّلام حيث قالوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ « 1 » وقال : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ « 2 » . فإنّ الملائكة لمّا كانوا منزّهين عن الشهوات ، غير مدركين للذّات الجسمانية ، وغير مبتلين بالتعلّقات البهيميّة الحيوانيّة ، كانوا غافلين عن أنّ كلّ مرحلة من مراحل الاحتياج توجب التوجّه إلى المحتاج إليه من هذه الحيثيّة من الكمال ، واللّه تعالى كان عالما بما لا يعلمون . فالإنسان يدعو ربّه بقوله : « يا رازق يا مانع يا رافع يا محي ومميت ويا شافي ويا ساتر ويا جابر العظم الكسير » ، وهكذا إلى آخر الأسماء ، فيعترف بجميع الكمالات لربّه ، وبجميع النقائص لنفسه . والملائكة لمّا لم يكن لها داع إلى الالتجاء إليه في أكثر تلك المقاصد ، فتتقاعد عن تذكّر هذه الكمالات لمبدعها ، فكمال الإنسان لمّا كان بمعرفة كمال نقصه لتترتّب عليه معرفة كمال مبدعة من جميع الوجوه . [ معنى قوله قال أنا الطين ] فقال : الرجل المسؤول عنه الذي هو نفسه عليه السّلام : « أنا الطين » الذي هو أحسن العناصر وأذلّها ، والمتواضع لكلّ من يقلبها ويثيرها ، ويصرفها حالا عن حال ، المقهور في حدّ ذاته ، الذي لا يقدر على دفع شيء ممّا يراد به . [ معنى قوله من الطين إلى الطين ] ولمّا كان الإنسان قد يفتخر بأصله ونسبه ، وإن لم يكن له كمال أو مقدار بالفعل ، أو برفعته وجاهه السابقة الخالية وإن لم يكن بالفعل له عين منها ولا أثر ، فاستحفى

--> ( 1 ) . البقرة : 30 . ( 2 ) . نفس المصدر .