السيد علي الطباطبائي

429

رياض المسائل ( ط . ق )

ذاك إليه عز وجل إن شاء عذب وإن شاء عفا وقريب منه خبران آخران ويشهد له الأخبار الواردة في ثواب بعض الأعمال أنه يكفر الذنوب إلا الكبائر وأمثال ذلك وبالجملة تخصيص الكبيرة ببعض أنواع الذنوب في الأخبار أكثر من أن تحصى ولا معارض لها صريحا ولا ظاهرا عدا الإجماع المستفاد من كلمات من تقدم وما دل من الأخبار على أن كل معصية شديدة وأنها قد توجب لصاحبها النار وما دل منها على التحذير من استحقار الذنب واستصغاره ولا شيء منهما يصلح للمعارضة أما الإجماع فبعد الإغماض عن وهنه في أمثال ما نحن فيه أنه معارض بما مر من الصيمري من نسبة تعريف الكبائر بما أوعد اللَّه عليه النار إلى الأصحاب وهو يستلزم أن الذنوب التي لم يتوعد اللَّه عليها بالنار ليس كبائر عندهم فلا يبقى بعد ذلك إلا أن يكون صغائر مع أنه جعل هذا القول الذي عمم فيه الكبائر لجميع الذنوب مقابلا لما نسبه إلى الأصحاب وعن شيخنا البهائي في الحبل المتين أنه عزى المختار إلى الأصحاب معربا عن دعوى الإجماع عليه هذا وقد عرفت استفاضة نقل الشهرة على تخصيص الكبيرة بما نسبه الصيمري إلى الأصحاب كافة فالإجماع المستظهر من كلامهما يترجح بها على الإجماع المستظهر من عبائر هؤلاء الجماعة وأما الروايات فنحن نقول بمضمونها من أن كل ذنب شديد لاشتراكها في معصيته الرب المجيد إلا أن مجرد ذلك لا يوجب كون كلها كبائر بمعنى ما توعد عليه بالنار كما استفيد من الأخبار مع أنها على تقدير تسليم وضوح دلالتها لا تعارض الآيات والأخبار التي قدمنا لاستفاضتها بل وتواترها واعتضادها بفتوى عامة متأخري أصحابنا بحيث كاد أن يكون ذلك منهم إجماعا وأما الثاني فلما ذكره جماعة أولا من أن التوبة متوقفة على العزم على عدم المعاودة والعزم على ترك الصغائر متعذر أو متعسر لأن الإنسان لا ينفك عنه غالبا وكيف يتحقق منه العزم على تركها أبدا مع ما جرت من حالة وحال غيره من عدم الانفكاك منها غالبا وثانيا أنه لا يكفي في التوبة مطلق الاستغفار وإظهار الندم حتى يعلم من حالة ذلك وهذا قد يؤدي إلى زمان طويل يفوت معه الغرض من الشهادة ونحوها فيبقى العسر والحرج بحالهما وفي الأول نظر لمنع توقف التوبة على ما ذكر من العزم كما عن جمع قيل وفي بعض الأخبار دلالة عليه مع أنه لو تم لزم منه عدم وجوب التوبة عن صغار الذنب وكباره إذا جرب الإنسان من حالة عدم الانفكاك منها في أغلب أحواله وهو خلاف الإجماع على الظاهر المصرح به في كلام بعض الأصحاب والثاني لعله أيضا لا يخلو عن نظر هذا ولا ريب أن اعتبار ترك مطلق الذنوب أحوط كما يستفاد من الخبر فمن لم تره بعينك يرتكب ذنبا أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان فهو من أهل العدالة والستر وشهادته مقبولة وإن كان في نفسه مذنبا الحديث واعلم أن الماتن لم يتعرض للمروة في مزيل العدالة مع اشتهار زوالها بمخالفتها إما لكونها جزء منها كما هو المشهور بينهم أو شرطا في قبولها كما جرى عليه جماعة وكأنه لم يجعل تركها قادحا فيها أو متوقفا فيها كما هو الوجه جدا لعدم وضوح دليل على اعتبارها عدا ما قيل من أن مخالفة المروة إما لخبل ونقصان عقل أو قلة مبالاة وحياء وعلى التقديرين يبطل الثقة والاعتماد على قوله أما الخبل فظاهر وأما قليل الحياء فلأن من لا حياء له يصنع ما يشاء كما ورد في الخبر وهو مستند ضعيف وأضعف منه ما استدل به بعض من قول مولانا الكاظم ع لا دين لمن لا مروة له ولا مروة لمن لا عقل له فإن فيه ما ذكره بعض الفضلاء من أن استعمال المروة بالمعنى الذي ذكره الأصحاب غير معروف في كلامهم عليهم السلام وحينئذ فالأظهر حمله على بعض المعاني المروية عنهم عليهم السلام في تفسيرها أقول وأشار بالمعنى المذكور لها بين الأصحاب إلى ما قالوه من أنها التخلق بخلق أمثاله في زمانه ومكانه فالأكل في السوق والشرب فيها لغير سوقي إلا إذا غلبه العطش والمشي مكشوف الرأس بين الناس وكثرة السخرية والحكايات المضحكة ولبس الفقيه لباس الجندي وغيره مما لا يعتاد لمثله بحيث يسخر منه وبالعكس ونحو ذلك يسقطها عندهم وبالمعاني المروية عنهم ع إلى ما في بعض النصوص من أنها إصلاح المعيشة وما في بعض آخر منها من أنها ستة ثلاثة منها في الحضر وهي تلاوة القرآن وعمارة المساجد واتخاذ الإخوان ومثلها في السفر وهي بذل الزاد وحسن الخلق والمزاح في غير معاصي اللَّه سبحانه وما في ثالث من أنها أن يضع الرجل خوانه بفناء داره إلى غير ذلك وليس في شيء من هذه المعاني المروية ما يوافق ما ذكره الأصحاب في معنى المروءة ولا كونها معتبرا في العدالة بالكلية نعم ربما يشعر به بعض الروايات منها من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته وظهرت عدالته ووجبت إخوته وحرمت غيبته لكن الإشعار غير كاف سيما مع قصور السند ولا ريب أن اعتباره أحوط وإن كان في تعينه نظر [ القول في اتخاذ الحمام ] ولا يقدح في العدالة اتخاذ الحمام والطيور للأنس بها وإنفاذ الكتب وإرسالها إلى البلدان بلا خلاف فيه على الظاهر المصرح به في الكفاية وهو الحجة مضافا إلى الأصل والعمومات وفحوى ما سيأتي من بعض المعتبرة بل يستفاد من المعتبرة المستفيضة استحباب اتخاذها للأنس منها ليس من بيت فيه حمام إلا لم يصب أهل ذلك البيت آفة من الجن إن سفهاء الجن يعبثون بالبيت فيعبثون بالحمام ويدعون الإنسان وبمعناه كثير من الأخبار ومنها دخلت على أبي عبد اللَّه ع فرأيت على فراشه ثلاث حمامات خضر فقلت جعلت فداك هذا الحمام يقذر الفراش فقال لا إنه يستحب أن يسكن في البيت وكذا اقتناؤها للعب بها وإن كره عند كافة متأخري أصحابنا وفاقا للنهاية والمبسوط والقاضي وظاهر المبسوط أن عليه إجماعنا حيث قال فإن اقتناءها للعب بها وهو أن يطيرها ويتقلب في السماء ونحو هذا فإنه مكروه عندنا وهو الحجة مضافا إلى بعض ما مر من الأدلة وخصوص الخبر المروي في التهذيب بطريقين وفي الفقيه بطريق حسن من شهادة من يلعب بالحمام قال لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق وقصور السند بالجهالة مجبور بعمل الطائفة مع انجباره في الطريق الثالث بأبان بن عثمان الذي أجمع على تصحيح ما يصح عنه العصابة فلا تضر الجهالة بعده وليس قبله سوى الوشاء المحكوم بحسنه عند أصحابنا فالرواية بنفسها معتبرة لكن ربما يتأمل في الدلالة بما نقله بعض الأجلة من أن لعب الحمام عند أهل مكة هو لعب الخيل وعليه فيحتمل ورود الخبر على مصطلحهم وربما أشعر به سياقه في الطريق الثالث فإن فيه بعد ما مر قلت فإن من قبلنا يقولون