السيد علي الطباطبائي
414
رياض المسائل ( ط . ق )
أي المدفوع إليه على أولئك بما أخذوا وهذه الرواية مع قصور سندها كما ترى مخالفة للأصول جدا لأن الدافع فيها على جهة الأمانة بضاعة كانت أو غيرها ومقتضاها عدم ضمان الأمين للعين بعد تلفها إلا أن يكون فرط أو تعدى وليس لذكرهما في الرواية عين ولا أثر أصلا وعلى تقدير الضمان بهما فلا وجه لرجوع الغارم بما غرمه إلى أولئك الذين لهم المال إذ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى فلهذا قال الماتن هنا وفي النكت وغيره من الأصحاب ويمكن حمل ذلك أي الحكم برجوع صاحب البضاعة على العامل بماله ورجوعه على أولئك بما أخذوا على من أي عامل خلط المال المدفوع إليه بأموال أولئك والحال أنه لم يأذن صاحبه في ذلك وأذن له الباقون فيه والأصل في هذا الحمل الحلي في السرائر حيث قال بعد نقل الخبر هذا أورده شيخنا أبو جعفر في نهايته ووجه الفقه والفتيا عندي على تسليم الخبر أن الأول دفع المال إليه فخلطه بغيره فلما خلطه بغيره فرط فيه بالخلط فضمنه وأصحاب الأموال الباقية خلط أموالهم بإذنهم والأول أخلط ماله في أموالهم بغير إذنه فيجب عليه الضمان للأول جميع ماله فلما أخذ أصحاب الأموال الذين أذنوا في الخلط ورضوا به أموالهم على التمام والكمال فقد أخذوا ما لم يكن لهم بل الواجب تسليم مال من لم يأذن بالخلط على المضارب المفرط بالخلط بجميع ماله ورجع المضارب على من أخذ المال بقدر ما غرم وقوله في الخبر يخلطها بماله ويتجر بها المعنى فيه خلطها بماله واتجر بهما وإن كان أتى به بلفظ المستقبل فقد يأتي المستقبل بمعنى الماضي وهذا كثير في كلام العرب والقرآن قال اللَّه تعالى وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ معناه ينادي قال الشاعر وانضخ جوانب قبره بدمائها فلقد يكون أخادم وذبائح معناه فلقد كان بغير شك انتهى وفي استشهاده بالآية وحكمه كباقي الجماعة برجوع الغارم إلى الباقين بجميع ما غرمه مناقشة واضحة مع عدم تمامية الحمل المزبور إلا بعد تقييدات أخر في الخبر ليس لشيء منها فيه عين ولا أثر ومع ذلك لا احتياج لتكلفاته في حمل يخلط على معنى خلط لعدم منافاته الحمل المزبور من حيث كون متعلقه طلب الخلط بمال المدفوع إليه خاصة دون مال أولئك الجماعة ومبنى الحمل على المزج بأموالهم دون مال المدفوع إليه خاصة ولذا حكم بضمانهم ما أخذوه ولكن الأمر سهل بعد ما عرفت من قصور السند والمخالفة للأصل مع اتفاقهم على الظاهر على عدم العمل بها وإن كان الظاهر منهم عدم المناقشة فيها من حيث السند لنسبتهم إياها إلى حريز خاصة عن أبي عبيدة معربين عن صحته إليه ولعلهم أخذوها من كتابه فتكون صحيحة ولكن يكفي في ردها عدم عملهم بها مع كونها للأصول مخالفة [ الرابعة لو وضع المستأجر الأجرة على يد أمين ] الرابعة لو وضع المستأجر الأجرة على يد أمين له فتلفت كان المستأجر ضامنا يجب عليه غرامتها للأجير إلا أن يكون الأجير دعاه إلى ذلك ورخصه في دفعها إلى الأمين فحقه حينئذ حيث وضعه لأنه ملك الأجرة بنفس العقد فإذا عين أحدا لقبضها كان ذلك القابض وكيلا له وقبض الوكيل قبض الموكل فيدخل في ضمان الأجير بقبض وكيله بخلاف الصورة الأولى فإن الأجرة في ضمان المستأجر حتى يقبضها الأجير وذلك الذي وضعت الأجرة عنده ليس وكيلا للأجير فتكون باقية على ضمان المستأجر وللحسن بل الصحيح المروي في التهذيب في الباب المتقدم عن رجل استأجر أجيرا فلم يأمن أحدهما صاحبه فوضع الأجر على يد رجل فهلك ذلك الرجل ولم يدع وفاء واستهلك الأجر فقال المستأجر ضامن لأجر الأجير حتى يقضي إلا أن يكون الأجير دعاه إلى ذلك فرضي بالرجل فإن فعل فحقه حيث وضعه ورضي به [ الخامسة يقضى على الغائب مع قيام البينة ] الخامسة يجوز أن يقضى على الغائب عن مجلس الحكم مع قيام البينة عليه بالحق ويباع ماله ويقضى دينه ويكون الغائب على حجته إذا قدم بلا خلاف عندنا فيه في الجملة بل ظاهر الشهيدين في النكت والمسالك وغيرهما أن عليه إجماع الإمامية وهو الحجة مضافا إلى المعتبرين سندا ولو لم يبلغ درجة الصحة مع احتمالها في سند أحدهما وفيهما الغائب يقضى عليه إذا قامت عليه البينة ويباع ماله ويقضى عنه دينه وهو غائب ويكون الغائب على حجته إذا قدم قال ولا يدفع المال إلى الذي أقام البينة إلا بكفلاء والخبر المستفيض عنه ص كما قيل إنه قال لهند زوجة أبي سفيان وقد قالت إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف وكان أبو سفيان غائبا عن المجلس وإطلاق العبارة ونحوها من عبائر الجماعة يقتضي عدم الفرق في الغائب بين كونه غائبا عن البلد أو حاضرا فيه متعذرا عليه حضور المجلس أم لا ولا خلاف فيه في الأول مطلقا سواء كان بعيدا أو قريبا وكذا في الثاني إذا كان الحضور عليه متعذرا بل عليه الوفاق في المسالك والإجماع في غيره واختلفوا فيه مع عدم تعذر الحضور عليه على قولين فبين مانع عن القضاء عليه حينئذ كالشيخ في المبسوط معللا بأن القضاء على الغائب موضع ضرورة فيقتصر فيه على محلها وأنه ربما وجد مطعنا ومدفعا وجاز الحكم في الغائب للمشقة بطول انتظاره ومال إليه المقدس الأردبيلي ره وبين مجوز كالفاضلين والشهيدين وفخر الدين وغيرهم من متأخري أصحابنا بحيث كاد أن يكون ذلك منهم إجماعا قالوا لعموم الأدلة ولم أقف عليها عدا الروايات المتقدمة ولا عموم في الأخيرة منها بعد تسليم سندها ودلالتها على أصل الحكم في المسألة لأنها قضية في واقعة فلا تكون عامة ولفظ الغائب فيما عداها وإن كان مطلقا إلا أن المتبادر منه الغائب عن البلد خاصة اللهم إلا أن يكون المراد من الأدلة المستدل بعمومها ما دل على لزوم الحكم بالبينة مع عدم مانع لها بالكلية لأن الغائب إن كان منكرا فالبينة قامت عليه وإن كان مقرا فالبينة مؤكدة لإقراره فعلى كل تقدير لا مانع من الحكم وهذا أيضا ربما لا يخلو عن نظر وكيف كان لا ريب أن القول الأول أحوط إن لم يتعين واعلم أن ما تضمنه المعتبران من أنه لا يدفع إليه المال إلا بكفلاء هو مذهب الشيخ في النهاية والقاضي والحلي والماتن هنا وفي الشرائع ومال إليه شيخنا الشهيد الثاني في كتابية واختاره صاحب الكفاية خلافا لابن حمزة فلم يذكر التكفيل بل أوجب على الغريم بدله اليمين وتبعه الفاضل وجملة ممن تبعه وادعى عليه الشهرة جماعة كالصيمري وصاحب المفاتيح والكفاية وقد مر في بحث الدعوى على الميت إلى مستندهم الإشارة وقد عرفت جوابه ونزيد عليه هنا بأنه اجتهاد في مقابلة الرواية المعتبرة في نفسها المعتضدة بعمل الطائفة ولو في أصل المسألة ولا ريب أن الجمع بين الأمرين