السيد علي الطباطبائي

408

رياض المسائل ( ط . ق )

[ الأولى في عدم جواز حكم الحاكم بإخبار حاكم آخر ] يحكم الحاكم بإخبار حاكم آخر أي لا يمضي ولا ينفذ حكمه في واقعة إذا أنهاه إليه بإخباره ولا بالبينة بثبوت الحكم المزبور عند غيره وهو الحاكم الآخر ولو اكتفى بالضمير وأسقط المضاف كان أخصر وأوضح ولا بكتابة إليه مطلقا إجماعا في الثلاثة لو كان المحكوم به شيئا من حقوق اللَّه سبحانه لبنائها على التخفيف ولزوم درئها بالشبهة وعدم ثبوتها بالإقرار ولو في الجملة وكذا لو كان من حقوق الناس في الإنهاء بالكتابة بلا خلاف أجده إلا من الإسكافي فأوجب الإنفاذ بها على الحاكم الثاني وهو شاذ بل على خلافه الإجماع في كثير من الكتب كالسرائر والتحرير والمختلف والقواعد وغيرها من كتب الأصحاب وهو الحجة على ضعفه ولا يقدح فيها خروجه لمعلومية نسبه مضافا إلى الخبرين إن عليا ع كان لا يجيز كتاب قاض إلى قاض في حد ولا غيره حتى وليت بنو أمية فأجازوا بالبينات وضعفهما منجبر بالشهرة العظيمة والإجماعات المحكية والأدلة القاطعة من الكتاب والسنة المانعة عن العمل بالمظنة بناء على أن الكتابة لا تورث العلم لاحتمالها التزوير منها أو عبث الكاتب بها وعدم قصده ما فيها فلا ريب في ضعف ما اختاره وإن مال إليه بعض متأخر متأخري الطائفة قائلا إنه قد يحصل الظن المتأخم للعلم أقوى من الذي حصل من الشاهدين بل العلم بالأمن من التزوير وأنه كتب قصدا لا غير فإذا ثبت بأي وجه كان مثل الخبر المحفوف بالقرائن المفيد للعلم بأن القاضي الفلاني الذي حكمه مقبول حكم بكذا يجب إنفاذه وإجرائه من غير توقف ويكون ذلك مقصود ابن الجنيد ويمكن أن لا ينازعه أحد ويكون مقصود الباقي المنع في غير تلك الصور بل الصورة التي لم تكن مأمونة من التزوير وعلى تقديره لم يكن معلوما كونه مكتوبا قصدا ولهذا يجوز العمل بالمكاتبة في الرواية وأخذ المسألة والعلم والحديث من الكتاب الصحيح عند الشيخ المعتمد كما جوزوه في الأصول لنقل الحديث انتهى وفيه نظر لأن ذلك فرع قيام دليل قاطع على جواز العمل بالظن مطلقا ولم نجده في نحو محل البحث مما يتعلق بموضوعات الأحكام التي لم تتوقف عليها مطلقا ولو كان الظن للعلم متاخما ومجرد كون الظن بالكتابة أقوى من الظن الحاصل من شهادة الشاهدين لا يوجب قطعيته ولا حجيته إلا على تقدير أن يكون حجيتها من حيث إفادتها المظنة وهو ممنوع بل كلمة القائلين بحجيتها وسماعها هنا مطبقة على أنها من جهة الأدلة الأربعة التي سيأتي ذكرها وهي أدلة قاطعة أو ظنية ظنا مخصوصا مجمعا عليه ومثلها لم يقم على اعتبار ظن الكتابة بعد إمكان دفع الضرورة التي هي الأصل في تلك الأدلة بالإشهاد على الحكم وإقامة البينة وإنفاذ الحاكم الثاني الحكم بها وبالجملة لو كان السبب لاعتبار شهادة الشاهدين هو إفادتها المظنة أمكن ما ذكروه أما لو كان قضاء الضرورة وغيره مما هو كالدليل القاطع فلا وجه له ولا لقياس الكتابة بالشهادة ولا بالاكتفاء بالرواية المكاتبة وأخذ المسألة ونحوهما مما ذكره لأن مستند الاكتفاء بهذه الأمور المعدودة في نحو الأحكام الشرعية إنما هو من حيث قضاء الضرورة وانسداد باب العلم بها بالكلية وعدم إمكان تحصيلها إلا بالمظنة وإن عدم اعتبارها حينئذ يوجب إما الخروج من التكليف أو التكليف بما لا يطاق وهما ممتنعان قطعا عقلا وشرعا وهذا السبب يختص بها دون ما نحن فيه مما لم ينسد فيه باب العلم ويمكن تحصيله فيجب فيه تحصيل القطع فإن حصل وإلا فيرجع إلى الأصل وهذا طريق قطعي لا ينكر مسلم عند الكل حتى هذا القائل ويضعف قياس الكتابة هنا بها في الرواية زيادة على ذلك أنه لو صح لزم اعتبارها هنا مطلقا ولو لم يفد الظن الأقوى بل ولو أفاد ظنا ما كفى للاكتفاء به في الرواية المكاتبة عند القائل بحجيتها إن لم يحصل لها معارض أقوى فما ذكره من التقييد بالظن الأقوى أو المتأخم لا وجه له أصلا بل ينبغي أن يطلق اعتبار الكتابة كما هو ظاهر الإسكافي والأصحاب الرادين عليه في المسألة هذا وفي كلامه مناقشات أخر يطول الكلام بذكرها وإنما المهم مما يرد عليه هو ما ذكرنا وكذا في الإنهاء بالبينة بمجردها من غير أن يشهدها الحاكم الأول على حكمه في الواقعة بلا خلاف أجده من الأصحاب كافة نعم احتمل الإنفاذ بها مطلقا البعض المتقدم إليه الإشارة معللا بما يرجع حاصله إلى عدم تعقل مدخليته للإشهاد في اعتبارها مع كونه داخلا في عموم الأدلة الآتية التي عمدتها قضاء الضرورة ومسيس الحاجة إلى الإنفاذ بالبينة وهو حسن لولا عدم الخلاف في عدم الإنفاذ بها هنا مع احتمال أن يمنع الدخول في العموم بناء على أن مسيس الحاجة إنما يبيح الاكتفاء بالشيء لو لم يتصور اندفاعها إلا به وهي تندفع بالبينة التي أشهدها الحاكم فلا وجه للاكتفاء بغيرها بل الأصل الناهي عن العمل بالظن مع عدم مخرج عنه في محل البحث يقتضي المصير إلى ما ذكروه ومحصله وجوب استناد الحكم إلى القطع إلا حيثما لا يمكن مع مسيس الحاجة إليه فيجب تحصيل الأقرب إليه وليس إلا المتفق عليه وإلى هذا الأصل يشير كلام كثير في هذا البحث ولا ريب في قوته ومتانته وأما عدم الإنفاذ بإخبار الحاكم فمحل خلاف بين الأصحاب فبين مختار له كظاهر إطلاق المتن ونص الخلاف ومختار للإنفاذ كالفاضل في القواعد والفوائد والشهيدين في الدروس والمسالك ومتردد فيه كالماتن في الشرائع والفاضل في التحرير ينشأ من الأصل المتقدم المعبر عنه في كلامهم بأنه حكم من الثاني بغير علم وقد نهى اللَّه عنه خرج منه ما دل عليه دليل من خارج فيبقى الباقي على الأصل ومما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى من جوازه مع الشهادة على حكمه فمع مشافهته أولى وفيه نظر إذ المشافهة الموجبة للأولوية إنما هي مشافهة حكمه الذي هو متعلق الشهادة لا مشافهة إخباره به فإن الأولوية هنا غير واضحة ولعله إلى هذا يشير كلام بعض الأجلة حيث قال في منعها فإن الغرض من الشهود إثبات حكم الحاكم لا إقراره به وليس إثباته بقول الحاكم أقوى من إثباته بشاهدين عدلين إذ هما عدلان وهو عدل واحد وقول العدلين حجة دون الواحد انتهى ولكنه خلاف الإنصاف وكل من منع هنا يلزمه المنع عن الإنفاذ بالبينة التي أشهدها الحاكم مع عدم حضورها مجلس الحاكم والدعوى بطريق أولى وفي قبولها على القول الآخر إشكال لكنه ظاهر كل من قال به ممن مر ونسبه في المسالك إلى الأكثر بعد أن اختاره بأدلة منها أن الأدلة الآتية الدالة على تسويغ أصل هذا الإنفاذ آتية في هذه الصورة وفيه مناقشة تقدم إلى وجهها الإشارة مع أنه لو شملت الأدلة الآتية هذه الصورة لشملت صورة ما إذا لم يشهدها الحاكم البينة كما احتمله البعض المتقدم إليه الإشارة فما هو الجواب عن هذا فهو الجواب عما ذكره فتأمل وكيف كان الاحتياط في المقامين