السيد علي الطباطبائي
390
رياض المسائل ( ط . ق )
وجوب إظهار الحق مع إمكانه أو الحكم بعلمه وبطلان الأول ظاهر فتعين الثاني بيان اللزوم أنه إذا علم بطلان قول أحد الخصمين فإن لم يجب عليه منعه عن الباطل لزم الأول وإلا ثبت المطلب ومنها أن العلم أقوى من البينة وجواز الحكم بها يستلزم جوازه بالعلم بطريق أولى ومنها عموم الأدلة الدالة على الحكم مع وجود الوصف المعلق عليه كقوله سبحانه السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما وقوله تعالى الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ والخطاب للحكام فإذا علموا بالوصف عملوا به وهو أقوى من الحكم وإذا ثبت ذلك في الحدود ففي غيرها أولى ذكره المرتضى ره وهو أقواها حيث قال وكيف يخفى إطباق الإمامية على وجوب الحكم بالعلم وهم ينكرون توقف أبي بكر عن الحكم لفاطمة ع بفدك لما ادعت أنه نحلها أبوها ويقولون إنه إذا كان عالما بعصمتها وطهارتها وأنها لا تدعي إلا حقا فلا وجه لمطالبتها بإقامة البينة لأن البينة لا وجه لها مع القطع بالصدق ومنها إمضاؤه ص الحكم له بالناقة على الأعرابي من خزيمة ابن ثابت ومنها قول علي ع لشريح لما طالبه بالبينة على ما ادعاه من درع طلحة ويحك خالفت السنة بما طالبت إمام المسلمين بالبينة وهو مؤتمن على أكثر من هذا والقول الثاني للإسكافي فمنع عنه مطلقا على ما نقل عنه جمع ومنهم المرتضى ره ولابن حمزة والحلي ره فمنعا عنه في الأخير خاصة ونسب في المسالك عكس هذا إلى الإسكافي في كتابه المختصر الأحمدي ومستندهم غير واضح سوى أن القضاء بالعلم من دون بينة تهمة وتزكية لنفسه وكل منهما للقضاء مانعة والنبوي ص في قضية الملاعنة لو كنت راجما من غير بينة لرجمتها وأن حقوقه سبحانه مبنية على الرخصة والمسامحة فلا يناسبها القضاء بالعلم من دون بينة والمناقشة في الجميع واضحة لأن التهمة والتزكية آتيتان في القضاء بالشهود والبينة مع أنه غير مانع باتفاق الإمامية والرواية عامية غير صالحة بذلك للحجية والمسامحة في الحدود إنما هي قبل ثبوتها لا بعد الثبوت وبالجملة لا ريب في صحة القول المشهور وعلى الأقوال يقضي بعلمه بلا خلاف ظاهر مصرح به في كلام جمع في تزكية الشهود وجرحهم حذرا من لزوم الدور والتسلسل وفي الإقرار عنده وإن لم يسمعه غيره وقيل يشترط أن يكون في مجلس القضاء وفي العلم بخطإ الشهود يقينا أو كذبهم وفي تعزير من أساء أدبه في مجلسه وإن لم يعلمه غيره لأنه من ضرورة إقامة أبهة القضاء وفيما إذا شهد معه آخر فإنه لا يقصر عن شاهد واحد [ الثانية في عرفانه عدالة الشاهدين ] الثانية إن عرف الحاكم عدالة الشاهدين حكم وإن عرف فسقهما أطرح شهادتهما وإن جهل الأمرين فالأصح التوقف في الحكم بشهادتهما حتى يبحث عنهما مطلقا ولو علم بإسلامهما أو صرح المشهود عليه بعدالتهما على إشكال في هذا ينشأ من أن البحث والتعديل لحق اللَّه تعالى ولذا لا يجوز الحكم بشهادة الفساق وإن رضي به الخصم وأن الحكم بشهادة الإنسان حكم بتعديله ولا يجوز بخبر الواحد إجماعا كما حكاه في الإيضاح ومن أن البحث لحق المشهود عليه وقد أقر بعدالتهما وأنه أقر بوجود شرط الحكم وكل من أقر بشيء نفذ عليه لقوله ع إقرار العقلاء على أنفسهم جائز وبهذا أفتى الإسكافي والفاضل المقداد في التنقيح والفاضل في التحرير والفوائد والقواعد وولده في شرحه قاطعا به كالإسكافي والمقداد دون والده في القواعد وقواه في الدروس أيضا وهو كذلك لما رواه في الوسائل عن مولانا الحسن بن علي العسكري في تفسيره عن آبائه عن علي ع قال كان رسول اللَّه ص إذا تخاصم إليه رجلان قال للمدعي ألك حجة فإن أقام بينة يرضى ويعرفها نفذ الحكم على المدعى عليه إلى أن قال وإذا جاء بشهود لا يعرفهم بخير ولا شر بعث رجلين من خيار أصحابه يسأل كل منهما من حيث لا يشعر الآخر عن حال الشهود في قبائلهم ومحلاتهم فإذا أثنوا عليه قضى حينئذ على المدعى عليه وأن رجعا بخبر سيئ وثناء قبيح لم يفضحهم ولكن يدعو الخصم إلى الصلح وإن كان الشهود من أخلاط الناس غرباء لا يعرفون أقبل على المدعى عليه فقال ما تقول فيهما فإن قال ما عرفنا إلا خيرا غير أنهما غلطا فيما شهدا على أنفذ شهادتهما وإن جرحهما وطعن عليهما أصلح بين الخصمين أو أحلف المدعى عليه وقطع الخصومة بينهما والرواية طويلة ومحصلها ما ذكرنا من دون نقيصة وهي صريحة في وجوب البحث عن الوصفين لو جهلا وإطلاقها يشمل صورة الجهل بإسلامهما وغيرها بل لعلها بحكم التبادر وغلبة الإسلام في المتخاصمين وشهودهم في زمانه ص ظاهرة في الثانية جدا ولا خلاف في الحكم في الصورة الأولى على الظاهر المصرح به في جملة من العبائر وأما ثبوته في الثانية فهو الأشهر بين الطائفة كما صرح به الشهيدان وغيرهما من الجماعة خلافا للإسكافي والمفيد في كتاب الإشراق والشيخ في الخلاف فلم يوجبوا البحث بل اكتفوا بظاهر الإسلام بناء منهم على أن الأصل فيه العدالة وادعى الأخير عليه إجماع الطائفة ومبنى الخلاف هنا على الاختلاف في تفسير العدالة هل هي ظاهر الإسلام مع عدم ظهور فسق أو حسن الظاهر أو الملكة أي الهيئة الراسخة في النفس الباعثة لها على ملازمة التقوى والمروة وينبغي القطع بضعف القول الأول منها لمخالفته الرواية المتقدمة الدالة على لزوم البحث مع المعرفة بالإسلام أيضا بناء على الظهور الذي قدمنا واستصحاب عدم ثبوت المشروط بالعدالة إلا بعد تيقنها ولا يقين هنا لعدم دليل على كونها مجرد الإسلام مع عدم ظهور الفسق أصلا عدا الإجماع المتقدم والنصوص المدعى عليه دلالتها منها الصحيح في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنى فعدل منهم اثنان ولم يعدل الآخر إن قال فقال إذا كانوا أربعة من المسلمين لا يعرفون بشهادة الزور أجيزت شهادتهم جميعا وأقيم الحد على الذين شهدوا إنما عليهم أن يشهدوا بما أبصروا به وعلموا وعلى الوالي أن يجيز شهادتهم إلا أن يكونوا معروفين بالفسق والمرسل عن البينة إذا أقيمت على الحق أيحل للقاضي أن يقضي بقول البينة من غير مسألة إذا لم يعرفهم قال خمسة أشياء يجب على الناس الأخذ بها بظاهر الحكم الولايات والتناكح والمواريث والذبائح والشهادات فإذا كان ظاهره طاهرا مأمونا جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه والخبر عن شهادة من يلعب بالحمام فقال لا بأس به إذا كان لا يعرف بفسق وفي آخر كل من ولد على الفطرة وعرف بصلاح في نفسه جازت شهادته وفي ثالث المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلود في حد لم يتبه منه أو معروف بشهادة زور أو ضنين