السيد علي الطباطبائي
293
رياض المسائل ( ط . ق )
والزبيب والسماق ونحوها فإنه إنما يستخرج ما فيها من الحلاوة والحموضة إما نبيذها في الماء ونقعها فيه زمانا يخرج حلاوتها أو حموضتها إلى الماء وأنها تمرس في الماء من أول الأمر من غير نقع أو أنها تغلي بالنار لأجل ذلك وفيه نوع نظر نعم يستفاد ذلك من جمع من أهل اللغة كالفيومي في المصباح المنير وابن الأثير في النهاية والدروس ومجمع البحرين قال هو كالأول في مادة عصر والعصير من العنب يقال عصرت العنب عصرا من باب ضرب استخرجت ماءه واسم الماء العصير وقالا في مادة نقع والنقيع شراب يتخذ من زبيب ينتقع في الماء من غير طبخ وقال الأخير في مادة نبذ النبيذ ما يعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير ونحو ذلك وعلى هذا فليس المراد من العصير في الخبر ما يعم عصير الزبيب والتمر لعدم إطلاق العصير عليهما حقيقة وإنما يطلق عليهما كذلك النبيذ والنقيع خاصة ولعله لذا لم يستدل به على تحريمها أحد من الأصحاب هذا وعلى تقدير تسليم عمومه نقول إنه معارض بكثير من النصوص الدالة على دوران الحكم في النبيذ حرمة وحلا مدار السكر وعدمه وهي مستفيضة جدا وسيأتي بعضها ولو كان مجردا الغليان يوجب التحريم وإن لم يبلغ حد الإسكار لجرى له ذكر أو إشارة ولو في بعضها سيما مع ورودها جلا بل كل في مقام الحاجة جدا وأما ما يدعى من أنه بمجرد الغليان أن يحصل منه السكر أو مباديه باعتبار بعض الأمزجة أو بعض الأمكنة فغير مفهوم للعبد بعد اتفاق جملة من عبائر الأصحاب التي وقفت عليها في تردد الماتن وبيان وجهه عليه عدم حصول السكر بمجرد الغليان ما لم يبلغ الشدة المسكرة وربما يومئ إليه وإلى ما مر من دوران الحكم فيهما حلا وحرمة على تحقق السكر وعدمه بعض النصوص أيضا كالخبر عن النبيذ فقال ص وما النبيذ فصفوه لي فقالوا يؤخذ من التمر فينبذ في إناء ثم يصب عليه الماء حتى يمتلئ وتوقد تحته حتى يطبخ فإذا انطبخ أخذوه فألقوه في إناء آخر ثم صبوا عليه ماء ثم يمرس ثم صفوه بثوب ثم يلقى في إناء ثم يصب عليه من عكر ما كان قبله ثم يهدر ويغلي ثم يسكن على عكره فقال ص أفيسكر قال نعم قال فكل مسكر حرام الخبر هذا والإنصاف أن الحكم البات بالحل في الزبيبي لا يخلو عن نوع أشكال لقوة دلالة الموثقين على خلافه مع وجود قائل به من الأصحاب كما يظهر من الشهيدين وغيرهما وإن لم يصرحوا به لكنه ظاهر الكليني حيث إنه عنون الباب الذي ذكر فيه الموثقين وغيرهما بباب صفة الشراب الحلال مضافا إلى وقوع التصريح بحرمته في بعض الأخبار في الزبيب يدق ويلقى في القدر ويصب عليه الماء قال حرام حتى يذهب ثلثاه قلت الزبيب كما هو يلقى في القدر قال هو كذلك سواء إذا أدت الحلاوة إلى الماء فسد كلما غلى بنفسه أو بالنار فقد حرم إلا أن يذهب ثلثاه والخروج بهذه النصوص عن الأصول القطعية المعتضدة بالشهرة ومجهولية القائل بها صريحا أو ندرته وإن كان لا يخلو أيضا عن إشكال إلا أن الاحتياط فيه لازم على كل حال ولا كذلك التمري لوضوح مأخذ الحل فيه من الأصول والنصوص الدالة على دوران الحكم فيه حلا وحرمة مدار السكر وعدمه وخصوص الرواية مع قصور ما يعارضها سندا ودلالة وعدم ما يدل على حرمته صريحا مطلقا مع عدم ظهور قائل بها فيه أصلا ومع ذلك الاجتناب عنه أحوط وأولى للشبهة الناشئة من الموثقين المتقدم إليهما الإشارة وبعض النصوص المشعرة بل الظاهرة في اتحاد عصيري العنب والتمر في العلة المحرمة وفيه بعد كلام طويل يتضمن تعليل الحكم بحرمة العصير العنب بمس إبليس منه فأوحى اللَّه إلى آدم ع أن العنب قد مسه عدوي وعدوك إبليس لعنه اللَّه تعالى وقد حرمت عليك من عصيرة الخمر ما خالطته نفس إبليس فحرمت الخمر إلى أن قال ثم إنه أي إبليس قال لحواء لو أمصصتني شيئا من هذا التمر كما أمصصتني من العنب فأعطته تمرة فمصها وكان العنب والتمر أشد رائحة وأزكى من المسك الأذفر وأحلى من العسل فلما مصها عدو اللَّه ذهبت رائحتها إلى أن قال ثم إن إبليس الملعون ذهب بعد وفاة آدم فبال في أصل الكرمة والنخلة فجرى الماء في عروقها من بول عدو اللَّه فمن ثم يختمر العنب والتمر فحرم اللَّه على ذرية آدم كل مسكر لأن الماء جرى ببول عدو اللَّه تعالى في النخل والعنب فصار كل مختمر خمرا لأن الماء اختمر في النخلة والكرم من بول عدو اللَّه إبليس لعنه اللَّه فتأمل ويقوي الاحتياط فيه احتمال وجود قول بتحريمه من الحلي في سرائره حيث قال بعد الحكم بحرمة عصير العنب بالنشيش وكذا القول فيما ينبذ من الثمار في الماء واعتصر في الأجسام من الأعصار في جواز شربه ما لم يتغير فإن تغير بالنشيش لم يشرب لكنه ليس بصريح في التحريم بمجرد الغليان بالنار بل غايته التحريم بالنشيش وهو صوت الغليان الحادث من طول المكث ولا ريب في تحريمه حينئذ لاستلزامه السكر كما يستفاد من الأخبار ولا كذلك الغليان بالنار لعدم معلومية استلزامه بل معلومية عدمه كما مر وربما يشير إلى ما ذكرناه كلام شيخنا في الدروس حيث قال ولا يحرم المعتصر من الزبيب ما لم يحصل فيه نشيش فيحل طبخ الزبيب على الأصح لذهاب ثلثيه بالشمس غالبا فلو لا الفرق بما ذكرناه بين النشيش والغليان بالنار لتناقض الحكم بالتحريم مع حصول النشيش المستفاد من مفهوم صدر عبارته والحكم بتحليل الطبيخ المعلل بذهاب ثلثيه مع وجود هذا التعليل فيه مع الأول أيضا فظهر أن الحكم بالتحريم فيه ليس من حيث العصيرية بل من حيثية أخرى إما السكر أو صيرورته بالنشيش فقاعا كما ذكره بعض أصحابنا ولعل حكم الحلي بالتحريم مع النشيش لأحد هذين من كونه مسكرا أو يسمى نبيذا فتأمل جدا ولعله لهذا لم ينسب القول بالتحريم فيهما إليه أحد من أصحابنا [ الثاني الدم ] الثاني الدم المسفوح إلى المنصب من عرق بكثرة من سفحت الماء إذا هرقته والأصل في حرمته بعد الإجماع المحكي في كلام جمع المقطوع به الآيات الكثيرة عموما أو خصوصا والنصوص المستفيضة جدا ومنها الأخبار المستثنية من الذبيحة أمورا عشرة المصرحة بأن منها ما كان دما وخصوص المرسلة المعللة لتحريمه بإيراثه الكلب والقسوة في القلب وقلة الرأفة والرحمة والماء الأصفر والبخر وغير ذلك من الأمور المعدودة فيها وإطلاق العبارة ككثير من الروايات وإن شمل ما يتخلف في لحم الحيوان المأكول مما لا يقذفه المذبوح إلا أنه حلال بالإجماع الظاهر المصرح به في كلام جمع كالمسالك وغيره ويعضده الاعتبار لاستلزام تحريمه العسر والحرج المنفيين شرعا لعدم خلو اللحم عنه وإن غسل مرات مضافا