السيد علي الطباطبائي

21

رياض المسائل ( ط . ق )

لا يقبل العقد هذا الشرط وهو عين المتنازع وفيه نظر لمنافاته الدوام المشترط فيه بلا خلاف كما مر ولظاهر الموثقين كالصحيحين أحدهما عن الرجل يتصدق ببعض ماله في حياته في كل وجه من وجوه الخير وقال إن احتجت إلى شيء من المال فأنا أحق به ترى ذلك له وقد جعله لله تعالى يكون له في حياته فإذا هلك الرجل يرجع ميراثا أو يمضي صدقة قال يرجع ميراثا إلى أهله وفي الثاني من أوقف أرضا ثم قال إن احتجت إليها فأنا أحق بها ثم مات الرجل فإنها ترجع إلى الميراث مضافا إلى التأيد بما يستفاد من النصوص من أن الوقف صدقة فلا يجوز الرجوع فيها بمقتضى كلمة الأصحاب وجملة من الأخبار ويشير إليه السؤال في الأول حيث استبعد فيه الصحة وقد جعله لله سبحانه وهو ظاهر في منافاة الجعل له تعالى الرجوع به والقول الثاني للمفيد والنهاية وضى والديلمي والسيد مدعيا عليه إجماع الإمامية وذهب إليه الماتن في الشرائع والفاضل في المختلف وغيره والشهيد الثاني في المسالك وغيره ونسبه كغيره إلى الأكثر لعموم الأمر بالوفاء بالعقود والشروط وخصوص عموم الصحيح السابق الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها واستدلوا عليه أيضا بالصحيحين المتقدمين بناء على فهمهم من لفظ يرجع ميراثا الصحة إذ البطلان ليس فيه رجوع حقيقة بل الشيء الموقوف باق على الملكية وفيه نظر فإن إطلاق الرجوع ميراثا وإرادته حقيقة غير ممكن هنا قطعا فإن المرجوع إليه إنما هو كونه ميراثا حقيقة وهو شيء لم يكن في حال حياة الواقف أصلا إلا مجازا فإذا لم يمكن إرادة الحقيقة تعين المجاز فيحمل الرجوع على ما يجتمع مع البطلان بقرينة السؤال في الأول حيث سئل عن صحة هذا الوقف مع ما هو عليه من كونه صدقة فلو لم يحمل الجواب على هذا لما طابق للسؤال وما كان جوابا عنه فلم يبق إلا الأدلة الأولة من الإجماع وهو معارض بمثله من إجماع الحلي المتقدم والعمومات وهي مخصصة بظاهر الصحيحين وغيرهما مما قدمناه إلا أن الشهرة المحكية في كلام جماعة والظاهرة من فتاوى الجماعة عاضدت أدلة الصحة ورجحتها على الأدلة الأولة سيما مع ما في بعضها كالصحيحين من ضعف الدلالة وعدم النصية التي هي المناط في تخصيص الأدلة القطعية من عمومات الكتاب والسنة مع ظهور ثانيهما في اشتراط الموت في أصل الرجوع وهو ظاهر في عدمه قبله وهو عين مقتضى الصحة فالقول بالصحة لا يخلو عن قوة مع أنه أحوط في الجملة وعليه فلا ريب في الرجوع مع الحاجة ولو مات ولم يحتج فهل يرجع إلى ورثة الواقف فيكون حبسا كما عن النهاية وضى أم لا يرجع ويكون وقفا كما عن الباقين وجهان للثاني عمومات الأمر بالوفاء بالعقود والشروط وللأول صريح الصحيحين وهو أظهر وهل يعود بالاحتياج أو يقف معه على اختياره وجهان ظاهر العقد والشرط الأول والمرجع في الحاجة إليه إلى العرف لأنه المحكم فيما لم يرد الشرع بتعيينه وذكر جماعة أن مستحق الزكاة محتاج وفي إطلاقه نظر ونحوه تفسيرها بقصور المال عن قوت يومه أو ليلة وبسؤاله لغيره وببعده صرح جماعة ولكنه ليس بذلك البعيد ومع ذلك هو أحوط [ الثاني في الموقوف ] الثاني في ما يتعلق ب‍ الموقوف ويشترط فيه أن يكون عينا معلومة فلا يصح وقف المنفعة ولا الدين ولا المبهم بلا خلاف بل عليه الإجماع في الغنية وهو الحجة مضافا إلى الأصل واختصاص الأدلة كتابا وسنة بما اجتمع فيه الشرائط الثلاثة بحكم الصراحة في بعض والتبادر في آخر والشك في دخول ما لا يجتمع فيه في الوقف بناء على أن المفهوم منه عرفا ولغة وشرعا هو تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة فلا يشمل الوقف نحو الثمرة وكذا الدين والمبهم لأن مقتضاه وجود الموقوف في الخارج حين العقد يحكم عليه بذلك وهما ليسا كذلك فيكون وقفهما في الخارج من قبيل وقف المعدوم الغير الجائز إجماعا فلا يشملهما عمومات الأمر بالوفاء بالعقود في الكتاب والسنة لأن وقف مثلهما ليس بوقف فكيف يؤمر بالوفاء به ومجرد تسميته وقفا لا يدخله في حيز الأمر بالوفاء به وأن يكون مملوكة إن أريد بالمملوكية صلاحيتها له بالنظر إلى الواقف ليحترز عن وقف نحو الخمر والخنزير من المسلم فهو شرط الصحة بلا خلاف لما مر من الأدلة وإن أريد به الملك الفعلي ليحترز به عن وقف ما لا يملك وإن صلح له فهو شرط اللزوم على قول ذهب إليه الماتن في الشرائع والفاضل في الإرشاد والقواعد والتحرير والشهيد الثاني في المسالك لأنه عقد صدر من أهله صحيح العبارة في محله قابل للنقل وقد أجازه المالك فيصح كغيره من العقود وقيل هو كالأول شرط الصحة واحتمله الفاضل في التحرير واختاره فخر الإسلام وشيخنا في الروضة على اعتبار القربة ولعله أظهر لا لما قيل من أن عبارة الفضولي لا أثر لها وتأثير الإجازة فيما عدا محل النص المختص بالبيع والنكاح غير معلوم لأن الوقف فك ملك في كثير من موارده ولا أثر لعبارة الغير فيه لاندفاعه بأن اختصاص النص بالمورد غير قادح بعد شموله للغير بالأولوية كما تقدم إليه الإشارة غير مرة بل لاشتراط الصحة هنا بما يزيد على نفس العقد وهو القربة وهي بملك الغير غير حاصلة ونية المجيز لها حين الإجازة غير نافعة إما لاشتراط المقارنة بالصيغة وهي في الفرض مفقودة أو لأن تأثير نيته لها بعدها وإفادتها في الصحة حينئذ غير معلومة فالأصل بقاء الملكية إلى أن يعلم الناقل وهو بما قررناه غير معلوم نعم لو قلنا بعدم اشتراطها في الصحة كان الأول قويا غاية القوة لكن فيه ما مر إليه الإشارة وتوقف في الدروس والتذكرة ولا وجه له وأن يكون العين مما يمكن أن ينتفع بها مع بقائها انتفاعا محللا بلا خلاف للحجج السابقة حتى الإجماع في الغنية وتزيد عليها بالإضافة إلى اشتراط كون المنفعة محللة ما تقدم من الأدلة على اشتراط القربة في الصحة ولا تحصل في المنفعة المحرمة مضافا إلى أن الوقف لأجلها إعانة على الإثم محرمة بالكتاب والإجماع والسنة فلا يصح وقف ما لا ينتفع به إلا مع ذهاب عينه كالخبز والطعام والفاكهة وغيرها من الأمور التي هي مع الانتفاع غير باقية بل تكون بمجرده تالفة ولا وقف ما انتفاعاته محرمة كآلات اللهو وهياكل العبادة المبتدعة قالوا ولا يعتبر في الانتفاع به كونه في الحال بل يكفي المتوقع كالعبد والجحش الصغيرين والزمن الذي يرجى زوال زمانه ولعله لإطلاق الأدلة وهل يعتبر طول زمان المنفعة إطلاق العبارة وما ضاهاها من عبائر الجماعة ونسبه إلى الأكثر في الروضة يقتضي عدمه فيصح وقف ريحان يسرع فساده واحتمل فيها اعتباره لقلة المنفعة ومنافاتها التأبيد المطلوب من الوقف وفيه نظر للإطلاقات وعدم ثبوت مانعية القلة لعدم الدليل على اشتراط الكثرة ومنافاة التأبيد المشترط له غير واضحة إن أريد به الدوام ما دامت العين باقية لحصوله في الفرض بالضرورة وإن كان مدة الدوام يسيرة وإن أريد به الدوام إلى انقراض العالم فهو فاسد