السيد علي الطباطبائي

174

رياض المسائل ( ط . ق )

وبمعونة ذلك يظهر أن حكم أبيه ع بصحة الواحدة في الرواية السابقة إنما هو في الثلث المرسلة التي اتقى فيها ع عن العامة كما يظهر من هذه الرواية ولا يضر قصور سندهما لانجبارهما بالشهرة العظيمة هذا وفي الخبر عن مولانا الصادق ع في حديث قال فيه فقلت في رجل قال لامرأته أنت طالق ثلاثا فقال ترد إلى كتاب اللَّه تعالى وسنة نبيه ص وهو صريح في المرسلة ومع ذلك لم يحكم ع بالبطلان بل أوجب الرد إلى السنة والمراد به الرد إلى الواحدة لا البطلان كما يفصح عنه بعض المعتبرة ففي الصحيح عن مولانا الصادق ع في حديث قال قلت فطلقها ثلاثا في مقعد قال ترد إلى السنة فإذا مضت ثلاثة أشهر أو ثلاثة قروء فقد بانت منه بواحدة ونحوه بعينه رواية أخرى وفي معناهما الصحيح طلق عبد اللَّه بن عمر امرأته ثلاثا فجعلها رسول اللَّه ص واحدة فردها إلى الكتاب والسنة وهي صريحة الدلالة في أن المراد بالرد إلى السنة هو إمضاء الواحدة وإبطال الطلقات الزائدة وبمعونتها يظهر أن المراد بالرد إلى السنة في الثلث المرسلة في تلك الرواية إنما هو الرد إلى الواحدة لا البطلان بالمرة فتأمل هذا مع أنه يظهر بما قدمناه من الأخبار وغيرها شيوع استعمال تلك العبارة في المستفيضة في الثلث المرسلة في زمن الأئمة عليهم السلام ومعه يتقوى دلالة العموم الناشئ عن ترك الاستفصال على الحكم في المسألة كيف لا وشيوع الاستعمال الذي لا أقل منه يقوي الاحتمال ومعه يلزم الاستفصال فتركه مع ذلك أوضح شاهد على العموم في المقال وبجميع ما قدمناه يندفع حذافير الإشكال الذي أورده بعض الإبدال في هذا المجال ومنه يظهر ضعف ما قيل من أنه يبطل الطلاق رأسا ولا يقع منه شيء ولو واحدا كما عن الانتصار وسلار والعماني وابن حمزة مع أن عبارة الأول في ذلك غير ظاهرة بل المستفاد منها إنما هو الرد على العامة في الحكم بوقوع المتعددة وأما الواحدة فليس فيها على نفيها دلالة بل ولا إشارة بل ربما أشعر سياقها بقبول الواحدة مع تصريحه في مسألة فساد الطلقات الثلث المتعاقبة من دون تخلل رجعة بصحة الواحدة بل ربما أشعر عبارته بكونه مجمعا عليه بين الإمامية بل وربما كانت العبارة في ذلك ظاهرة وكيف كان فلا ريب في ضعف هذا القول لما مر وضعف حججهم فإن منها الأصل ويدفع بما مر ومنها أن المقصود وهو الواحدة المقيدة بقيد الوحدة غير واقع والصالح للوقوع غير مقصود لأنه غير مريد للواحدة المقيدة بقيد الوحدة وهو مع أنه اجتهاد في مقابلة النص غير مسموع مندفع بما مر من عدم الدليل على اعتبار قيد الوحدة في النية بل غايته الدلالة على كون ما زاد عليها بدعة وهو غير ملازم لاعتبار قيد الوحدة في النية وهي حاصلة من الثلث المرسلة غاية الأمر أن الزائد عليها غير واقعة ويحتمل أن تكون ضميمة مؤكدة ومنها الأخبار ففي الصحيح من طلق ثلاثا في مجلس واحد فليس بشيء من خالف كتاب اللَّه تعالى رد إلى كتاب اللَّه والمكاتبة روى أصحابنا عن أبي عبد اللَّه ع في الرجل يطلق امرأته ثلاثا بكلمة واحدة على طهر بغير جماع بشاهدين أنه يلزم تطليقة واحدة فوقع بخطه أخطئوا على أبي عبد اللَّه ع لا يلزمه الطلاق ويرد إلى كتاب اللَّه تعالى والسنة وفيهما نظر أما أولا فلعدم مقاومتهما لما مر وثانيا ضعف الدلالة في الأول لاحتماله نفي الثلث لا الواحد بل في الرد إلى كتاب اللَّه والسنة كما في ذيله إشعار بل دلالة على وقوعه بمعونة ما مر وقصور السند الثاني من وجوه مع دلالة صدره على اشتهار الحكم بوقوع الواحدة في أصحاب زمانه ولا ينافيه الحكم منه بتخطئته لاحتمال المصلحة فيه من حيث كونه مكاتبة وهي غير منحصرة في التقية بل محتملة لها ولغيرها من المصالح العامة هذا مع أن بعض الأجلة حمل الطلاق في كلامه ع على الثلث لا الواحدة ويؤيده ما فيه من الرد إلى الكتاب والسنة بملاحظة ما قدمناه من تفسيره بالرد إلى الواحدة ولا ينافيه الحكم بالتخطئة بعد احتمال كونه لمصلحة خفية غير نفي الواحدة المؤيدة بكون الرواية مكاتبة والذي يسهل الخطب في ارتكاب أمثال هذه التوجيهات وإن كانت بعيدة قوة ما قدمناه من الأدلة وبعد خطاء اتفاق أصحاب الأئمة ع على وقوع الواحدة على ما تشهد به نفس الرواية ولقد تكلف بعض المعاصرين لنصرة هذا القول بأخبار هي ما بين قاصرة السند وغيره واضحة الدلالة مع كون أكثرها شاذة كما اعترف به جماعة منها المروي عن كتاب الخرائج عن هارون بن خارجة عن أبي عبد اللَّه ع قال قلت إني ابتليت فطلقت أهلي ثلاثا في دفعة فسألت أصحابنا فقالوا ليس بشيء وإن المرأة قالت لا أرضى حتى تسأل أبا عبد اللَّه ع فقال ارجع إلى أهلك فليس عليك شيء وهو مع عدم وضوح سنده غير واضح دلالته لاحتمال تعلق نفي الشيئية في كلام الإمام وأصحابه إلى الطلقات المتعددة ودفع الابتلاء الملازم بتقدير صحتها خاصة كما توهم راوي الرواية لا إلى الواحدة بل ربما أشعر الرواية بوقوع الواحدة لما أفصحت عنه الرواية السابقة من حال أصحاب الأئمة ولما في لفظ الرجوع في كلام المعصوم ع التي تضمنتها هذه الرواية فأين الدلالة على بطلان الواحدة في الثلث المرسلة كما هو ظاهر هذه الرواية ومنها الأخبار القائلة بأن المطلقات ثلاثا ذوات أزواج الناهية لذلك عنهن في الصحيح إياكم والمطلقات ثلاثا فإنهن ذوات أزواج وضعفه أوضح من أن يخفى لأنها شاذة لو حملت على الثلث المرتبة كما ادعى هذا الفاضل وغيره ظهورها من عبارة طلق ثلاثا في تلك المستفيضة إذ لا قائل بها من الطائفة لإجماعهم على وقوع الواحدة بالثلاث المرتبة كما ادعاه جماعة وصرحت به المعتبرة وكذا لو حملت على الثلث المرسلة بناء على وجوب حمل الإطلاقات على الفروض الشائعة وهي في هذه الروايات صدور الثلث عن العامة لا أصحابنا الإمامية فإن وقوعها منهم إن أمكن نادر بالبديهة وحينئذ تكون هذه الطلقات صحيحة إلزاما لهم بمعتقدهم كما تفصح عنه الأخبار الآتية وعليه إجماع الإمامية كما حكاه جماعة هذا مع أن المستفاد من بعض المعتبرة كون النهي عن تزويجهن احتياطا لا ناشيا من فساد الواحدة ففي الصحيح رجل من مواليك يقرئك السلام وقد أراد أن يتزوج امرأة قد وافقته وأعجبه بعض شأنها وقد كان له زوج فطلقها ثلاثا على غير السنة فكره أن يقدم على تزويجها حتى يستأمرك فتكون أنت تأمره فقال أبو عبد اللَّه ع هو الفرج وأمر الفرج شديد ومنه يكون الولد ونحن نحتاط فلا تتزوجها ولعل وجه الاحتياط هو ما ذكره جماعة منهم شيخ الطائفة