السيد علي الطباطبائي
481
رياض المسائل ( ط . ق )
ذرية ولا تتموا على جريح ولا تتبعوا مدبرا ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن وفي آخر القتال قتالان قتال الفئة الكافرة حتى يسلموا وقتال الفئة الباغية حتى يفيئوا وفي ثالث ذكرت الحرورية عند علي ع قال إن خرجوا على إمام عادل أو جماعة فقاتلوهم وإن خرجوا على إمام جائر فلا تقاتلوهم فإن لهم في ذلك مقالا والرواية السابقة ناصة بإرادة هذه الطائفة من الآية المتقدمة ولذا استدل بها هنا جماعة كالشهيد في الدروس تبعا للفاضل في المنتهى لكن خطأه الفاضل المقداد في كنز العرفان قال فإن الباغي هو من خرج على الإمام العادل بتأويل باطل وحاربه وهو عندنا كافر لقوله ص لعلي ع يا علي حربك حربي وسلمك سلمي فكيف يكون الباغي المذكور مؤمنا حتى يكون داخلا في الآية ولا يلزم من ذكر لفظ البغي في الآية أن يكون المراد بذلك البغاة المعهودين عند أهل الفقه كما قال الشافعي ما عرفنا أحكام البغاة إلا من فعل علي ع يريد فعله في حرب البصرة والشام والخوارج من أنه لم يتبع مدبرا أهل البصرة والخوارج ولم يجهز على جريحهم لأنهم ليس لهم فئة ويتبع مدبري أهل الشام وأجهز على جريحهم ولذا لم يجعلها الراوندي حجة على قتال البغاة بل جعلها في قسم من يكون من المسلمين أو المؤمنين فيقع بينهم قتال وتعدي بعض إلى بعض فيكون البغي بمعنى التعدي فيقاتل المتعدي حتى يرجع عن تعديه إلى طاعة اللَّه وامتثال أوامره انتهى وأجاب عنه في المنتهى بعد تخطئته من استفاد من الآية أن البغاة مؤمنين لأن اللَّه تعالى سماهم المؤمنين بنحو مما ذكره من أنهم كفار عندنا فقال التسمية على سبيل المجاز بناء على الظاهر أو على ما كانوا عليه أو على ما يعتقدونه كما في قوله وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ وهذه صفة المنافقين إجماعا انتهى وهو حسن وإن خالف المجاز الأصل لوجوب المصير إليه بعد قيام الدليل عليه وهو الرواية السابقة وإن ضعف سندها لاشتهارها فتوى ورواية حتى أنه روتها المشايخ الثلاثة بطرق عديدة وفي ظاهر الغنية وصريح المنتهى لا خلاف بين المسلمين كافة في وجوب جهاد البغاة بل في صريح الأخير أيضا الإجماع وإطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في الخارج بين القليل والكثير حتى الواحد كابن ملجم لعنه اللَّه وصرح في المنتهى والتذكرة كما في المسالك واستحسنه وصرح به أيضا في الروضة وفيه مناقشة لاختصاص الأدلة كتابا وسنة وبالجملة كيفية قتال البغاة مثل قتال المشركين في جميع ما مر بلا خلاف يظهر فيه ولا في أنه يجب مصابرتهم من الصبر وهو المحبس والمراد به حبس النفس في جهادهم بترك ما يشبهه من تركه فيخالفها بمضارتهم حتى يفيئوا إلى الحق ويرجعوا إلى طاعة الإمام ع ويقتلوا وظاهر المنتهى أن عليه إجماع العلماء للنص زيادة على ما مر وفيه القتال قتالان قتال لأهل الشرك كما ينفر عنهم حتى يسلموا ويؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون وقتال لأهل الزيغ وفي المنتهى فإذا فاءوا حرم قتالهم لقوله تعالى حتى يفيئوا إلى أمر اللَّه تعالى جعل غاية الإباحة لقتالهم الرجوع إلى اللَّه تعالى فيثبت التحريم بعدها ولأن المقتضي لإباحة القتل وهو الخروج عن طاعة الإمام فإذا عادوا إلى الطاعة عدم المقتضي ولا نعلم فيه خلافا وكذلك إن ألقوا السلاح وتركوا القتال أما لو انهزموا فإنه يجب قتالهم إن كان لهم فئة يرجعون إليها وإلى هذا أشار الماتن أيضا وغيره من الأصحاب من غير خلاف بقوله ومن كان له فئة ترجعون إليها كأصحاب معاوية يجهز من الإجهاز وهو الإسراع في القتل أي يسرع ويعجل على جريحهم في القتل وأتبع مدبرهم وموليهم عن الحرب وقتل أسيرهم بلا خلاف يظهر فيه أيضا ولا في أن من لا فئة له كالخوارج اقتصر على تفريقهم فلا يذفف بالذال المعجمة وبالمهملة وفي أخرى من ذف يذف من باب قتل إذا جهز عليه أي لا يسرع على جريحهم في القتل ولا يتبع مدبرهم ولا يقتل أسيرهم وفي ظاهر المنتهى الإجماع على هذا التفصيل منا ونفي الخلاف عن الحكم فيمن لا فئة له بين العلماء والأصل في المقامين بعد الإجماع أخبارنا منها عن طائفتين إحداهما باغية والأخرى عادلة فهزمت العادلة الباغية قال ليس لأهل العدل أن يتبعوا مدبرا ولا يقتلوا أسيرا ولا يجهزوا على جريح وهذا إذا لم يبق من أهل البغي أحد ولم يكن لهم فئة يرجعون إليها فإذا كان لهم فئة يرجعون إليها فإن أسيرهم يقتل ومدبرهم يتبع وجريحهم يجان عليه ومنها عمن شهد حروب علي ع قال لما هزم الناس يوم الجمل قال أمير المؤمنين ع لا تتبعوا موليا ولا تجيزوا على جريح ومن أغلق بابه فهو آمن فلما كان الصفين قتل المقبل والمدبر وأجازوا على الجريح فقال له أبان بن تغلب هذه سيرتان مختلفتان إن أهل الجمل قتل طلحة والزبير وإن معاوية كان قائما بعينه وكان قائدهم ونحوه رواية أخرى مروية في الوسائل عن تحف العقول وقصور الأسانيد وضعفها مجبور بالشهرة بين أصحابنا مضافا إلى الإجماع عليه كما عرفته من المنتهى واعلم أن قوله ولا يسترق ذريتهم ولا نساؤهم فعلق له بمن لا فئة له خاصة بل يعم الفريقين كما صرح به جماعة من غير خلاف بينهم أجده وفي صريح الشرائع والسرائر الإجماع عليه لكن في الروضة عزاه إلى المشهور مؤذنا بوجود خلاف فيه كما صرح به أخيرا وفاقا للدروس لكن عزاه إلى الشذوذ معربين عن الإجماع أيضا والمخالف غير معروف ولا منقول إلا في المختلف فنقل فيه عن العماني بعد اختياره المنع قال وقال بعض الشيعة إن الإمام في أهل البغي بالخيار إن شاء من عليهم وإن شاء سباهم قال واحتجوا بقول أمير المؤمنين عليه السلام للخوارج لما سألوه عن المسائل التي اعتلوا بها فقال لهم أما قولكم إني يوم الجمل أحللت لكم الدماء والأموال ومنعتكم النساء والذرية فإني مننت على أهل بصرة كما من رسول اللَّه ص على أهل مكة ولو شاء لسباهم كما لو شاء النبي أن يسبي نساء هل أقول وظاهر عبارته المزبورة أن القائل غير واحد من الشيعة وهو أيضا ظاهر جملة من الأخبار مستفيضة غير الرواية المزبورة مروية في التهذيب وغيره منها سيرة علي ع في أهل بصرة كانت خير لشيعته مما طلعت عليه الشمس إنه علم أن للقوم دولة فلو سباهم لسبيت شيعته قال فأخبرني عن القائم ع أيسير بسيرته قال إن عليا ع سار فيهم بالمن لما علم من دولتهم وإن القائم ع يسير فيهم خلاف تلك السيرة لأنه لا دولة لهم ومنها أيسير القائم ع بخلاف سيرة علي ع قال نعم وذلك أن عليا ع بالمن والكف سار فيهم إنه علم أن شيعته سيظهر عليهم وأن القائم ع إذا قام سار فيهم بالسيف والسبي وذلك أنه يعلم أنه شيعته لم يظهر عليهم من بعده أبدا إلى غير ذلك