السيد علي الطباطبائي

478

رياض المسائل ( ط . ق )

العمد والعلم كثير ويستفاد من الصحيحين وما في معناهما عدم سقوطها عن الناسي والجاهل في الصيد كما دل عليه الاستثناء في المتن أيضا ونحوه كلمة الأصحاب جملة حتى حكي الإجماع عليه عن الخلاف والغنية والتذكرة والمنتهى ولا مخالف فيه صريحا بل ولا ظاهرا إلا ما يحكى عن العماني أنه حكى السقوط عن الناسي هنا أيضا قولا وهو ضعيف جدا ولا مستند له عدا حديث رفع القلم وهو على تقدير وضوح دلالته على رفع الكفارة مع أن الظاهر المتبادر منه خصوص رفع الإثم والمؤاخذة مخصوص أو مقيد بما عرفته من الأدلة وذكر جماعة عدم سقوطها في الصيد من المجنون والصبي أيضا قيل والظاهر أن الكفارة على المجنون في ماله يخرجه بنفسه إن أفاق وإلا فالولي وأما لو كان مجنونا أحرم به الولي وهو مجنون فالكفارة على الولي كما في الغنية كالصبي ولم يذكر بعضهم الصبي لأن كفارته على الولي كما سلف بسم اللَّه الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين [ كتاب الجهاد ] كتاب الجهاد فعال وهو في اللغة إما من الجهد بالفتح وهو التعب والمشقة أو منه بالضم وهو الوسع والطاقة وشرعا بذل الوسع بالنفس والمال في محاربة المشركين أو الباغين على الوجه المخصوص وقيل إنه بذلهما في إعلاء كلمة الإسلام وإقامة شعار الإيمان وأريد بالأول إدخال جهاد المشركين وبالثاني جهاد الباغين ويرد عليه قتال الكفار للأمر بالمعروف فإنه إعلاء كلمة الإسلام إلا أن يراد به الإقرار بالشهادة وقد يطلق على جهاد من يدهم على المسلمين من الكفار بحيث يخافون استيلاءهم على بلادهم وأخذ مالهم أو ما أشبهه وإن قل وجهاد من يريد قتل نفس محترمة أو أخذ مال أو سبي حريم ومنه الجهاد الأسير بين المشركين دافعا عن نفسه وربما أطلق على هذا القسم الدفاع لا الجهاد والبحث هنا عن الأول والثاني وذكر الثالث استطراد وذكر الرابع في كتاب الحدود وهو من أعظم أركان الإسلام بالكتاب والسنة والإجماع قال اللَّه عز وجل إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وعن النبي ص فوق كل بر بر حتى يقتل الرجل في سبيل اللَّه فليس فوقه بر وعن الفاخر أن الملائكة تصلي على المتقلد بسيفه في سبيل اللَّه حتى يضعه ومن صدع رأسه في سبيل اللَّه غفر اللَّه له ما كان قبل ذلك من الذنب والنظر في الكتاب يقع في أمور ثلاثة [ الأول فيمن يجب عليه ] الأول في بيان من يجب عليه الجهاد وهو بالمعنى الأول فرض كفائي على كل من استكمل شروطا سبعة بمعنى وجوبه على الجميع إلى أن يقوم به منهم من فيه الكفاية فيسقط عن الباقين سقوطا مراعى باستمرار القائم به إلى أن يحصل الفرض المطلوب شرعا وقد يتعين بأمر الإمام لأحد على الخصوص وإن قام من فيه كفاية وتختلف بحسب الحاجة بسبب كثرة المسلمين وقلتهم وضعفهم وقوتهم ولا يجب عينا بلا خلاف إلا من ابن المسيب كما في الغنية وكنز العرفان والمنتهى وفي الأولين الاستدلال بالإجماع وقوله تعالى لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى الآية وزاد الثاني قوله ولانتفاء المسبب عند انتفاء السبب وذكر فيهما في تقريب الاستدلال بالآية بما يرجع حاصله إلى أنه تعالى فاضل بين المجاهدين والقاعدين غير أولي الضرر وعد كلا منهم الحسنى ولولا أن وجوبه على الكفاية لما وعد القاعدين عنه الحسنى والمثوبة ولما كان لهم فضيلة وحجة المخالف غير واضحة عدا ما استدل به الثاني له من قوله ع من مات ولم يغزو لم يحدث نفسه بالعز ومات على مشبعة من نفاق قال وليس بدال على مطلوبهم وهو كذلك وأشار إلى الشروط بقوله البلوغ والعقل والحربة والذكورة وألا يكون هما أي شيخا كبيرا عاجزا ولا مقعدا إذا عرج بالغ حد الإقعاد ولا أعمى ولا مريضا مرضا يعجز معه عنه أي عن الجهاد فهذه شروط ثمانية إن جعلنا النفي بلا كلا منها شرطا على حدة وإلا فخمسة بجعل الخامس السلامة عن الأمور المذكورة وعلى التقديرين فليس الشروط سبعة كما ذكره وكان عليه أن يذكر السلامة من الفقر الموجب للعجز عن نفقته أو نفقة عياله أو طريقه أو ثمن سلاحه وبالجملة ما يحتاج إليه في جهاده أيضا إذ لا خلاف في اشتراطها كما لا خلاف في اشتراط البواقي أعلمه وبه صرح في الغنية في الجميع وفي المنتهى في البلوغ والذكورة بل صرح فيهما وفي الثاني والثالث والعمى بالإجماع وظاهره انعقاده في البواقي أيضا حيث لم ينقل خلافا فيها أيضا وهو الحجة مضافا إلى الأصول وعدم عموم في أدلة الجهاد يعتد به يشمل فاقدي الشروط كلا أو بعضا عدا العبد فإنه داخل في العموم فيجب عليه كما ربما يعزى إلى الإسكافي حيث لم يذكر الحرية في الشروط بل زاد فروى مرسلا إن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين ع ليبايعه فقال يا أمير المؤمنين ابسط يدك أبايعك على أن أدعو لك بلساني والضحك بقلبي وأجاهد معك بيدي فقال ع حر أنت أم عبد فقال عبد فصفق ع يده فبايعه ولذا جعل في المختلف اشتراط الحرية مشهورا لا إجماعا لكنه اختار اشتراطها مستدلا عليه في المنتهى بالإجماع وبأن النبي ص كان يبايع الحر على الإسلام والجهاد والعبد على الإسلام دون الجهاد وبأنه عبادة يتعلق بها قطع مسافة فلا يجب على العبد كالحج وفي الكتاب بقوله لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ مجيبا عن الرواية بحملها على الجهاد معه على تقدير الحرية أو إذن المولى أو عموم الحاجة ولا بأس بالجواب عن الرواية فإنها مع ضعف سندها غير صريحة في الجهاد معه في غير الصور المزبورة بل غايتها إفادة الجهاد معه في الجملة ونحن نقول به ولا بالاستدلال بالآية إن جعل مناط الدلالة قوله لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ فإنه بعمومه شامل لكل من فاقدي الشروط حتى الحرية فإن المملوك ضعيف عاجز لأنه لا يقدر على شيء كما في نص الكتاب ويشكل أن جعل المناط قوله سبحانه وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ كما صرح به في المختلف وتبعه المقداد في الكنز قال والعبد لا يملك شيئا عندنا فلم يحصل في حقه الشروط وفيه نظر فإن عدم الملكية لا يستلزم عدم الوجدان فقد يجد بالبذل له وليس بمالك فلا يدخل في الآية ويجب عليه الجهاد بعموم الأدلة ولذا أن الأصحاب جعلوا الحرية شرطا آخر غير اشتراط السلامة من الفقر ولو صح ما ذكراه من التلازم لأغنى اشتراط السلامة