السيد علي الطباطبائي
445
رياض المسائل ( ط . ق )
فقال مرة فليلبس الثياب ولينحر بقرة يوم النحر عن لبسه الثياب فإن غاية ما يستفاد منه على تقدير وروده في محل البحث أن من ليس ثيابه للتقية كفر ببقرة وهو مختص باللبس ومتضمن للتكفير فيه ببقرة ولا يقولون به كما صرح به جماعة ومع ذلك فحمله على الاستحباب لا وجه له بل للتسامح في أدلة السنن والخروج عن شبهة خلاف من أوجبها ثم إن مورد العبادة وأكثر الفتاوى وأخبار المسألة إنما هو استحباب بعث الهدي لا ثمنه خلافا لشيخنا الشهيد الثاني فسوى بينهما في ذلك للمرسل ما يمنع أحدكم أن يحج كل سنة فقيل له لا يبلغ ذلك أموالنا فقال أما يقدر أحدكم إذا خرج أخوه أن يبعث معه بثمن أضحية ويأمره أن يطوف عنه أسبوعا بالبيت ويذبح عنه فإذا كان يوم عرفة لبس ثيابه وهيأ للمسجد فلا يزال في الدعاء حتى تغرب الشمس وفيه نظر إذ الظاهر أن ما تضمنه صورة أخرى غير مفروض العبارة والنصوص والفتاوى لعدم تضمنه ما تضمنته من المواعدة لإشعار الهدي ولا اجتناب ما يجتنبه المحرم والظاهر أن المراد بالثياب التي أمر فيه بلبسها يوم عرفة إنما هو ثياب الزينة كما ورد به في الخروج ليوم العيد والجمعة وتقييده بذلك فرع اتحاد الموضوع وهو مختلف ففيها الهدي وفي هذا الثمن وأحدهما غير الآخر ولذا أفرد الحكم جماعة ممن تأخر عنه وأفتوا به زيادة على الأول ولا بأس به وإن ضعف السند لما مر من جواز التسامح في أدلة السنن مضافا إلى موافقته العمومات كما صرح به جمع ولذا أفتوا به من غير توقف فيه من جهة السند مع أن ديدنهم المناقشة في الحكم المخالف للأصل إذا لم يصح السند [ الثاني في الصيد ] الثاني في بيان الصيد المحرم على المحرم والمحلل له وجملة ما يتعلق به من أحكام الكفارات وهو على ما عرفه الماتن هنا وفاقا للمحكي عن المبسوط وغيرهما بل قيل إنه مذهب الأكثر الحيوان المحلل الممتنع واعترض عليه أولا بأن التقييد بالمحلل يفيد عدم تحريم المحرم عليه وهو خلاف ما ذكره من تحريم نحو الثعلب والأرنب والضب مما يأتي بلا خلاف ما قال غيره فإن الحلبي حرم قتل جميع الحيوان ما لم يكن حية أو عقربا أو فأرة أو غرابا ولم يذكر له فداء وثانيا أن إطلاق الممتنع يشمل الممتنع بالعرض فيحرم النعم والخيل المتوحشة وليس كذلك إجماعا فكان ينبغي تقييده بالأصالة لئلا يلزم ذلك ولا يخرج منه ما استأنس من الحيوان البري كالظبي مع تحريم قتله إجماعا وهو حسن إلا أنه يمكن الجواب عن الأول بأن حرمة المعدودات لا ينافي تقييد الصيد بالمحلل إلا على فرض أخذ تحريمها من عموم أدلة الصيد وليس بواضح لاحتمال أخذه من الأدلة المخصوصة بها كما يأتي إن لم نقل بأنه الظاهر نعم يتوجه عليه أن الصيد لغة بل وعرفا حقيقة في الأعم من المحلل والمحرم فلا وجه لتقييده بالأول فإطلاقه عن القيد كما في الشرائع وجملة من كتب الفاضل أسد إلا أن يوجه التقييد بأن الإطلاق يقتضي دخول نحو الذئب والتمر والفهد من الحيوانات الممتنعة بالأصالة مع أن قتلها غير محرم اتفاقا كما عن المبسوط والتذكرة أو يقال إن المتبادر من قوله تعالى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً حرمة أكله ولا اختصاص لحرمة المحرم منه بالمحرم وكذا قوله فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ بأن المحرمات ليست كذلك مع أصل الحل والبراءة وفي الوجهين نظر أما الأول فلأن خروج تلك الأفراد المعدودة من المحرم بالإجماع المنقول المتقدم غايته خروجها خاصة لا كل ما ليس بمحلل ولا التجوز بلفظ الصيد في خصوص المحلل فإن التخصيص خير من المجاز ولا موجب لإخراج ما ليس لإخراجه دليل من نص أو إجماع لاختصاصهما فيما وصل إلينا بما مر من تلك الأفراد هذا مع أن الإجماع المنقول عن المبسوط فيما وصل إلينا من عبارته إنما هو على نفي الكفارة والجزاء في تلك الأفراد لا انتفاء التحريم وأحدهما غير الآخر ولا دليل على التلازم بينهما كما لا تلازم بين لزوم الكفارة بقتل حيوان وكون وجهه كونه صيدا ومنه يظهر ما في تعريف بعضهم الصيد هنا بما في المتن وزيادة قوله ومن المحرم الثعلب والأرنب والضب واليربوع والقنفذ والقمل والزنبور والقطاة فإن حرمة قتل هذه المحرمات عليه لم يبين كونه من عموم أدلة حرمة الصيد ولا موجب لتوهم ذلك غير لزوم الكفارة على قتلها وقد عرفت أنه أعم من جهة الصيد وأما الثاني فلمنع التبادر أولا وإلا لاختصت الآية بإثبات تحريم أكل الصيد لا قتله وهو بعيد جدا بل مخالف لفهم الكل قطعا وثانيا بأن غاية ذلك اختصاص تلك الآية بالمحلل وهو لا يوجب تقييد إطلاق الآية الأخرى لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وما ضاهاها من إطلاق الأخبار وغيرها وبالجملة فترك التقييد بالمحلل وفاقا لمن مر أسد ويؤيده الخبر في تفسير الآية الأخيرة عند قوله وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ قال إن رجلا انطلق وهو محرم فأخذ ثعلبا فجعل يقرب النار إلى وجهه وجعل الثعلب يصيح ويحدث من استه وجعل أصحابه ينهونه عما يصنع ثم أرسله بعد ذلك فبينما الرجل نائم إذ جاءته حية فدخلت في فيه ولم تدعه حتى جعل يحدث كما أحدث الثعلب ثم خلت وهو كالنص في عموم الآية للثعلب ولا قائل بالفرق وأما قول الحلبي فلا دخل له بأحد التعريفين كإخباره إن أبقي على ظاهره من تحريم مطلق الحيوان بل هو قول شاذ مخالف للنص والإجماع كما صرح به جماعة من الأصحاب وإن قيد بإرادته الحيوان البري كالأخبار رجع إلى ما قلناه من عموم الصيد للمحرم فيؤيده مع أنه حكي عن الراوندي أنه مذهبنا معربا عن دعوى الإجماع هنا والإنصاف أن ظاهر سياق الآية الأخيرة يفيد التلازم بين حرمة قتل الصيد ولزوم الكفارة وأنه مسبب عنها وكذلك ظاهر الأخبار الكثيرة المعتبرة كالصحيح لا تستحلن شيئا من الصيد وأنت حرام ولا تدلن عليه محلا ولا محرما فيصطاده ولا تشر إليه فيستحل من أجلك فإن فيه الفداء لمن تعمده والصحيح المحرم لا يدل على الصيد فإن دل فعليه الفداء وهذا التلازم لا يتم إلا على تقدير تخصيص الصيد بالمحلل منه فإنه الذي وقع الإجماع نصا وفتوى على التلازم فيه كليا دون غيره فلم يثبت فيه التلازم كذلك بل صرح الشيخ في المبسوط بأنه لا خلاف يعني بين العلماء في عدم وجوب الجزاء في مثل الحية والعقرب والفأرة والغراب والحداءة والذئب والكلب وأنه لا تجب الجزاء عندنا في الجوارح من الطير كالبازي والصقر والشاهين والعقاب ونحو ذلك والسباع من البهائم كالأسد والنمر والفهد وغير ذلك وقال في مثل المتولد بين ما يجب الجزاء فيه وما لا يجب فيه ذلك كالسبع وهو المتولد بين الضبع والذئب والمتولد بين الحمار الأهلي وحمار الوحش يجب الجزاء فيه عند من خالفنا ولا نص لأصحابنا فيه والأولى أن نقول لا جزاء فيه لأنه لا دليل عليه والأصل براءة الذمة انتهى فلو كان صيد