السيد علي الطباطبائي

359

رياض المسائل ( ط . ق )

الجمع بينهما بحمل هذه الروايات على أن المراد أن ذات عرق وإن كانت من العقيق إلا أنها لما كانت ميقات العامة وكان الفضل إنما هو فيما قبلها فالتأخير إليها وترك الفضل إنما يكون لعذر من علة أو تقية ويشير إليه كلام الحلي في السرائر فإنه قال ووقت رسول اللَّه ص لأهل كل صقع ولمن حج على طريقهم ميقاتا فوقت لأهل العراق العقيق فمن أي جهاته وبقاعه أحرم ينعقد الإحرام منها إلا أن له ثلاثة أوقات أولها المسلخ وهو أفضلها عند ارتفاع التقية وأوسطها غمرة وهي تلي المسلخ في الفضل مع ارتفاع التقية وآخرها ذات عرق وهي دونها في الفضل إلا عند التقية والشفاعة والخوف فذات عرق هي أفضلها في هذه الحال ولا يتجاوز ذات عرق إلا محرما انتهى ويحتمل ذلك كلام المخالفين في المسألة ولعله لذا لم يجعلهم الفاضل والشهيد مخالفين صريحا قال الأول وكلام علي بن بابويه يشعر بالثاني وظاهر علي بن بابويه والشيخ في النهاية هذا ولا ريب أن الأحوط عدم التأخير إلى ذات عرق بل ولا إلى غمرة لما عرفته من دلالة بعض الصحاح على خروجها من العقيق أيضا ولما لم يوجد قائل به كان الإحرام منها أفضل من الإحرام من ذات عرق وهي دونها في الفضل لوجود قائل بخروجها أو عدم جواز الإحرام منها اختيارا ولعله الوجه في أفضلية غمرة من ذات عرق مضافا إلى ما فيه من المشقة اللازمة لزيادة الأجر والمثوبة وإلا فلم يجد من النصوص ما يدل عليها لدلالتها على أفضليته المسلخ خاصة ولأهل المدينة مسجد الشجرة كما هنا وفي الشرائع والفوائد والقواعد والمقنعة والناصرية وعن جمل العلم والعمل والكافي والإشارة وفيها أنه ذو الحليفة وفي الغنية والسرائر والمنتهى والتحرير وعن المعتبر والتهذيب وكتب الشيخ والصدوق والقاضي والديلمي والتذكرة أن ميقاتهم ذو الحليفة وأنه مسجد الشجرة كما في بعض الصحاح المتقدمة ونحوه الآخر المروي عن قرب الإسناد وفيه وقت لأهل المدينة ذو الحليفة وهي الشجرة والخبر المروي منه أيضا ولأهل المدينة ومن تليها الشجرة ويعضدها المرسل المروي عن العلل قلت لأبي عبد اللَّه ع لأي علة أحرم رسول اللَّه ص من مسجد الشجرة ولم يحرم من موضع دونه فقال لأنه لما أسري به إلى السماء وصار بحذاء الشجرة نودي يا محمد قال ص لبيك قال ألم يجدك يتيما فآويتك ووجدتك ضالا فهديتك فقال النبي ص إن الحمد والنعمة لك لا شريك لك فلذلك أحرم من الشجرة دون المواضع كلها وفي اللمعة وعن الوسيلة أن الميقات ذو الحليفة ولم يزدا عليه شيئا كما في الصحاح المستفيضة ومقتضى الجمع بينها وبين السابقة تعين الإحرام من المسجد خلافا للشهيدين والمحقق الثاني فجعلوه أفضل وأحوط وصرح الأخير بأن جواز الإحرام من الموضع كله مما لا يكاد يدفع وفيه بعد ما عرفت من توافق الأخبار على خلافه نظر سيما مع اعتضاده بعمل الأكثر بل وظاهر الناصرية والغنية بعد التعبير بما مر الإجماع فتأمل وبالصحيح مضافا إلى ما مر من قام بالمدينة شهرا وهو يريد الحج ثم بدا له أن يخرج في غير طريق أهل مدينة الذي يأخذونه فليكن إحرامه من مسيرة ستة أميال فيكون حذاء الشجرة من البيداء وأما الصحيح وقت لأهل المدينة ذو الحليفة وهو مسجد الشجرة كان يصلي فيه ويفرض الحج فإذا خرج من المسجد وسار واستوت به البيداء حين يحاذي الليل الأول أحرم فليس فيه دلالة على جواز الإحرام من خارج المسجد كما ربما يفهم من الذخيرة إلا على تقدير أن يراد من الإحرام فيه معناه الحقيقي وليس قطعا لمنافاته لصدره بل المراد به إما التلبية نفسها كما قيل أو الإجهار بها كما عن المتأخرين وحيث قد تعين الإحرام من المسجد فلو كان المحرم جنبا أو حائضا أحرما به مجتازين لحرمة اللبث وإن تعذر فهل يحرمان من خارجه كما صرح به جماعة من غير مخالف لهم أجده أم يؤخرانه إلى الجحفة إشكال من وجوب قطع المسافة من المسجد إلى المكة محرما ومن كون العذر ضرورة مبيحة للتأخير إلى الجحفة والأحوط الإحرام منهما وإن كان ما ذكره الجماعة لا يخلو عن قوة لمنع عموم الضرورة في الفتوى والرواية لمثل هذا سيما مع التصريح في جملة منها في بيانها بمثل المرض والمشقة الحاصلة من نحو البرد والحر هذا ميقاتهم اختيارا وعند الضرورة المفسر بما عرفته الجحفة بجيم مضمومة فحاء مهملة ففاء على سبع مراحل من المدينة وثلاث من مكة كما عن بعض أهل اللغة وعنه أن بينها وبين البحر نحو ستة أميال وعن غيره ميلان قيل ولا تناقض لاختلاف البحر باختلاف الأزمنة وفي القاموس كانت قرية جامعة على اثنين وثلاثين ميلا من مكة وفي المصباح المنير منزل بين مكة والمدينة قريب من رابع بين بدر وخليص والأصل في هذا الحكم بعد عدم خلاف فيه أجده وبه صرح في الذخيرة بل الإجماع كما في المدارك المعتبرة المستفيضة وليس في شيء منها التقييد مجال الضرورة كما فعله الأصحاب بغير خلاف ظاهر ولا محكي إلا من ظاهر الوسيلة والجعفي فأطلقاها كما هو ظاهر الصحاح منها نعم ربما أشعر به الحسن وقد رخص رسول اللَّه ص لمن كان مريضا أو ضعيفا أن يحرم من الجحفة وقريب منه الموثق لكن في تقييد الصحاح بهما إشكال لعدم الصراحة التي هي مناط التخصيص والتقييد إلا أن يقال دلالة الصحاح على العموم ليس بذلك الوضوح أيضا فيشكل الخروج بها عن الأدلة الدالة على توقيت الحليفة من الفتوى والرواية والإجماعات المنقولة الظاهرة في عدم جواز العدول عنها مطلقا ولو مع الضرورة لكنها خرجت اتفاقا فتوى ورواية وبقي حال الاختيار تحتها مندرجة فإذا الأحوط مراعاة الضرورة سيما مع اشتهارها بين الأصحاب شهرة عظيمة وهل التقييد بالضرورة مطلق فلا يجوز سلوك طريق لا يؤديه إلا ذي الحليفة اختيارا كما احتمله بعض لإطلاق الأخبار بكونه ميقاتا مع النهي عن الرغبة عن مواقيته ع أو مقيد بما إذا مر به كما في الدروس والمدارك وغيرهما وجهان ولعل الثاني أقوى للأصل وعموم جواز الإحرام من أي ميقات يتفق المرور عليه ولو لغير أهله مع اختصاص الإطلاق المتقدم بحكم التبادر وغيره بصورة القيد ثم على التقييد السابق لا ريب في حصول الإثم بالتأخير اختيارا وهل يصح الإحرام حينئذ وجهان قطع بأولهما في المدارك تبعا للدروس وتأمل فيه بعض ولا يخلو عن وجه وهي أبي الجحفة ميقات أهل الشام اختيارا كما في الصحاح المستفيضة وفي جملة منها أنها ميقات أهل المغرب ومصر أيضا وبه أفتى جماعة ولأهل اليمن جبل يقال له يلملم وألملم هو على مرحلتين من مكة كما في القاموس وغيره ولأهل الطائف قرن المنازل بفتح القاف وسكون الراء قيل خلافا للجوهري فإنه فتحها وزعم أن أويسا القرني بفتح الراء منسوب إليه واتفق العلماء على تغليطه فيهما وإنما أولى من بنى قرن بطن من مراد يقال له قرن الثعالب وقرن بلا إضافة وهو جبل مشرف على عرفات على مرحلتين