السيد علي الطباطبائي

256

رياض المسائل ( ط . ق )

وغيره ومنه يظهر أن حمل أوامر التقصير على التقية أولى كما صرح به جماعة من أصحابنا لاتفاقهم على جواز القصر مع اشتهار مذهب أبي حنيفة قديما وحديثا فتأمل وأما الصحيحان فالظاهر منهما بعد ضم أحدهما إلى الآخر أن الأمر بالإتمام إنما هو بعد مضي خمسة أيام لا مطلقا ولا ريب أنه للتقية فإن الاكتفاء بها في أيام الإقامة هو مذهب الشافعي وهو لا يجري في الأخبار الآمرة بالتمام ولو في يوم الورود من غير الإقامة ومع ذلك فهما معارضان بما دل على أن الأمر بالتمام ليس للتقية وأنه مخالف للعامة وهو الصحيح قلت لأبي الحسن ع إن هشاما روى عنك أنك أمرته بالتمام في الحرمين وذلك من أجل الناس قال لا كنت أنا وآبائي إذا وردنا مكة أتممنا الصلاة واستترنا من الناس هذا ولكن يستفاد من جملة من النصوص اشتهار التقصير ما لم ينو المقام بين قدماء الأصحاب ففي الصحيح كتبت إلى أبي جعفر الثاني ع أن الرواية قد اختلفت عن آبائك ع في الإتمام والتقصير في الحرمين فمنها أن تتم الصلاة ولو صلاة واحدة ومنها أن يقصر ما لم ينو مقام عشرة أيام ولم أزل على الإتمام فيهما إلى أن صدرنا في حجنا في عامنا هذا فإن فقهاء أصحابنا أشاروا علي بالتقصير إذا كنت لا أنوي مقام عشرة أيام فصرت إلى التقصير وقد صغت بذلك حتى أعرف رأيك فكتب ع إلى بخطه قد علمت يرحمك اللَّه تعالى فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما فأنا أحب لك إذا دخلتهما أن لا تقصر إلى آخر ما مضى وفي الخبر المروي عن كامل الزيارة عن سعد بن عبد اللَّه قال سألت عن أيوب بن نوح عن تقصير الصلاة في هذه المشاهد مكة والمدينة وقبر الحسين ع والكوفة والذي روى فيها فقال أنا أقصر وكان صفوان يقصر وابن أبي عمير وجميع أصحابنا يقصرون فالأحوط التزام القصر وإن كان في تعينه نظر لإمكان الذب عن الخبرين مع قصور سند الثاني بأن المقصود منهما الإشارة إلى جواز التقصير وعدم تعين التمام كما يفهم من أوامره لا تعينه مع تضمن الأول تحبيب التمام منه ع والعبرة به لا بغيره مع ظهور صدره في رجحان التمام عند راويه ونحوه في هذا الخبر سألت الرضا ع فقلت إن أصحابنا اختلفوا في الحرمين فبعضهم يقصر وبعضهم يتم وأنا ممن يتم على رواية قد رواها أصحابنا في التمام وذكرت عبد اللَّه بن جندب وأنه كان يتم قال رحم اللَّه تعالى ابن جندب ثم قال لي لا يكون الإتمام إلا أن تجمع على إقامة عشرة أيام وصل النوافل ما شئت قال الراوي وكان محبتي أن يأمرني بالتمام وهو صريح في اشتهار رواية التمام بين قدماء الأصحاب وأن عليها عمل جملة منهم وإنما أمره ع بالقصر ولم يأمره بالتمام لمصلحة من تقية أو غيرها ولو سلم اشتهار تعين القصر بينهم فلا ريب في أنه لم يبلغ حد الإجماع فيعارض باشتهار خلافه بين أصحابنا الآن بحيث كاد أن يكون إجماعا بل إجماع ظاهرا كما عرفت نقله من جماعة من أصحابنا لعدم وجود مخالف مطلقا ظاهرا ولا محكيا عدا الصدوق وهو نادر جدا بل لم يتعرض لنقل خلافه جماعة كالحلي وغيره ولا ريب أن مثل هذه الشهرة أقوى من تلك بمراتب عديدة فالقول بالتخيير في غاية القوة وإن كان الأحوط القصر تحصيلا للبراءة اليقينية وقد اختلف الأصحاب في التعبير عن المواطن الأربعة لاختلاف النصوص فيه على أقوال إلا أن ما في العبارة مطلقا أشهرها وأظهرها وأحوطها إلا بالنسبة إلى الموطنين الأولين فالأحوط فيهما الاقتصار على المسجدين بل لا ينبغي أن يتعداهما أخذا فيما خالف الأصل على المتيقن من النص والفتوى ثم إن مقتضى الأصول واختصاص النصوص المخالفة لها بإثبات التمام به في الصلاة في المواطن المزبورة عدم التعدية به إلى الصوم كما هو في الظاهر إجماع ولا إلى الصلاة في غير هذه المواطن ولو كان من المشاهد الشريفة وخلاف المرتضى والإسكافي فيها نادر فلا يفيدهما التمسك ببعض التعليلات والظواهر نعم في الرضوي إذا بلغت موضع قصدك من الحجج والزيارة والمشاهد وغير ذلك مما قد بينته لك فقد سقط عنك السفر ووجب عليك التمام لكن في الخروج به عن مقتضى الأصل والعمومات المعتضدة بالشهرة العظيمة القريبة من الإجماع بل الإجماع مشكل سيما مع تضمنه الحكم بوجوب التمام لما مر من شذوذه ومخالفته الإجماع والأخبار المستفيضة بل المتواترة إلا أن يحمل الوجوب على مطلق الثبوت واعلم أن وجوب القصر في غير محل الاستثناء وثبوته فيه إنما هو بعد اجتماع شروطه وإلا فالواجب التمام إلا مع انتفاء الأول منها بقسميه فاختلف فيه الأصحاب والمشهور بين المتأخرين وجوبه أيضا مطلقا وفاقا للمرتضى والقاضي والحلي للأصل وظواهر ما مر من النصوص باعتبار الثمانية فراسخ وحملا للصحاح المستفيضة بالأربعة على ما إذا أريد الرجوع ليومه عملا بالمعتبرة الأخر الدالة على اعتبار الرجوع وهي وإن قصرت عن الدلالة على اعتبار كونه ليومه إلا أن بعضها مشعر به كالموثق عن التقصير قال في بريد قال قلت بريد قال إنه إذا ذهب بريد أو رجع بريدا فقد شغل يومه وفيه نظر لضعف الإشعار مع ظهور جملة من المعتبرة المستفيضة بوجوب التقصير في الأربعة مع عدم إرادة الرجوع ليومه منها الصحيح إن أهل مكة يتمون الصلاة بعرفات فقال ويحهم أو ويلهم وأي سفر أشد منه لا يتم وقريب منه الموثق ألا ترى أن أهل مكة إذا خرجوا إلى عرفة كان عليهم التقصير والخبر في كم التقصير فقال في بريد ويحهم كأنهم لم يحجوا مع رسول اللَّه ص فقصروا وحملها على إرادة الرجوع ليومه كما ذكروه مستبعد جدا لظهور سياقها في خروج أهل مكة حجاجا كما وقع التصريح به في الخبر الأخير والصحيح إن أهل مكة إذا خرجوا حجاجا قصروا وإذا زاروا ورجعوا إلى منازلهم أتموا وبالجملة لا ريب في أن ظاهر هذه النصوص بل صريحها مع صحة جملة منها واستفاضتها وجوب التقصير في الأربعة مطلقا ولو لم يرد الرجوع ليومه كما عليه العماني ومال إليه جملة من فضلاء متأخري المتأخرين وهو قوي متين وبه يجمع الأخبار المختلفة بالثمانية الظاهرة في الذهابية وبالأربعة المطلقة الظاهرة فيها كذلك وبالثمانية الملفقة من الأربعة بحمل القسمين الأولين منها على الثمانية المطلقة ولو كانت ملفقة من الأربعة الذهابية والإيابية كما دلت عليه المعتبرة الأخيرة لكن ربما يخدشه ندرة القول به وشذوذه بين القدماء والمتأخرين لإطباقهم عدا العماني على عدم وجوب التقصير وإن اختلفوا في جوازه وعدمه والمشهور بين المتأخرين كما مر هو الثاني وبين القدماء هو الأول مخيرين بينه وبين التمام وإلى قولهم أشار بقوله وقيل من قصد أربعة فراسخ ولم يرد الرجوع ليومه تخير في القصر والإتمام والقائل الصدوقان والشيخان والديلمي وغيرهم بل عن الأمالي دعوى الإجماع عليه وعلى هذا فيشكل المصير إلى هذا القول سيما مع ظهور دعوى الإجماع من السرائر والمختلف على خلافه لتصريح الأول بالإجماع على جواز التمام وحصول البراءة به بلا خلاف واستدلال الثاني على لزوم التمام بأنه أحوط ولا يتم الاحتياط إلا بالإجماع على جواز التمام لأنه الأخذ بالأوثق ولا يكون إلا حيث لا يكون خلاف وأظهر منها