السيد علي الطباطبائي
187
رياض المسائل ( ط . ق )
روايتان أشهرهما الجواز ففي الصحيح كان رسول اللَّه ص يصلي الجمعة حين تزول الشمس قدر شراك ويخطب في الظل الأول فيقول جبرئيل ع يا محمد قد زالت الشمس فأنزل فصل وعليه جماعة من القدماء ومنهم الشيخ في الخلاف مدعيا عليه الإجماع وهو حجة أخرى بعد الرواية مضافا إلى النصوص الموقتة لصلاة الجمعة أو الظهر يومها بأول الزوال وهي كثيرة وتأويل الصلاة بها وما في حكمها أعني الخطبة لكونها بدلا من الركعتين خلاف الظاهر كتأويل الخطبة في الرواية بالتأهب لها كما عن التذكرة وتأويل الظل الأول بأول الفيء كما في المنتهى وتأويله بما قبل المثل من الفيء والزوال بالزوال عن المثل كما في المختلف مع أن الأخير يستلزم إيقاع الصلاة بعد خروج وقتها عنده إلا أن يؤول الزوال بالقريب منه والرواية الثانية ما دل على أن الخطبة بعد الأذان كآية إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ففي الصحيح عن الجمعة فقال بأذان وإقامة يخرج الإمام بعد الأذان فيصعد المنبر فيخطب الخبر لكنه مضمر إلا أن يجبر بموافقته الكتاب لكن في دلالته كالرواية قصور لابتنائها على كون الأذان يوم الجمعة عند الزوال وهو ممنوع كما قيل ولا يخلو عن نظر فتصح الدلالة ويحصل الجبر مضافا إلى حصوله بالشهرة المتأخرة المقطوعة والمطلقة المحكية في صريح الروض وظاهر الذكرى والتذكرة فلا يخلو القول بهذه الرواية عن قرب سيما مع تأيدها بالنصوص الدالة على أن الخطبتين بدل من الركعتين أو صلاة فلا تقدمان على وقتها وبالاحتياط لظهور الاتفاق على جوازهما بعد الزوال ويذب عن الرواية السابقة بأحد الوجوه المتقدم إليها الإشارة جمعا أو يقال المراد بها أنه ع كان إذا أراد تطويل الخطبة للإنذار والإبشار والتبليغ والتذكير كان يشرع فيها قبل الزوال ولم ينوها خطبة الصلاة حتى لو زالت الشمس كأن يأتي بالواجب منها للصلاة ثم ينزل فيصلي وقد زالت بقدر شراك ولا يعد في توقيت الصلاة بأول الزوال مع وجوب تأخير مقدماتها عنه فهو من الشيوع بمكان وخصوصا الخطبة التي هي كجزء منها مع أن جواز الخطبة بعد الزوال مجمع عليه وهو ينافي ظواهر الإطلاقات فلا بد من تأويلها وهو كما يحصل بما يوافق الاستدلال كذا يحصل بما ينافيه وهو ما ذكرنا وعن الإجماع بالوهن بمصير المعظم إلى الخلاف بمعارضته بالشهرة المحكية على الخلاف ولكن المسألة مع ذلك لا يخلو عن الشبهة والاحتياط يقتضي مراعاة الرواية المانعة ويستحب أن يكون الخطيب بليغا جامعا بين الفصاحة التي هي عبارة عن خلوص الكلام من ضعف التأليف وتنافر الكلمات والتعقيد وعن كونها غريبة وحشية وبين البلاغة التي هي القدرة على تأليف الكلام المطابق لمقتضى الحال من التخويف والإنذار وغيرهما بحيث يبلغ به كنه المطلوب من غير إخلال ولا إملال مواظبا على الصلوات محافظا عليها في أوقاتها متصفا بما يأمر به مجانبا ما ينهى عنه متعمما شتاء كان أو صيفا مرتديا ببرد يمنية أو عدنية معتمدا في حال الخطبة على شيء من قوس أو عصا أو سيف وأمثالها وأن يسلم على الناس أولا ويجلس أمام الخطبة على المستراح وهو الدرجة من المنبر فوق التي يقوم عليها للخطبة للنصوص المستفيضة فيما عدا الأوليين وأما هما فقد عللا بأن لهما أثرا بينا في القلوب والوعظ [ للوعظ معهما وقعا في النفوس ولا خلاف في شيء من ذلك إلا من الخلاف في استحباب السلم فنفاه لأصالة البراءة عما لو يثبت التكليف به ولو ندبا في الشريعة وهو حسن لولا المرفوعة الناصة به المنجبرة بالشهرة مضافا إلى جواز المسامحة في أدلة السنن والكراهة وعموم أدلة استحباب التسليم الشامل لمفروض المسألة ولذا عن الفاضل في النهاية والتذكرة استحباب التسليم مرتين مرة إذا دنا من المنبر يسلم على من عنده قال لاستحباب التسليم على كل وارد وأخرى إذا صعده فانتهى إلى الدرجة التي تلي موضع القعود استقبل الناس فسلم عليهم بأجمعهم قال ولا يسقط بالتسليم الأول لأنه مختص بالقريب من المنبر والثاني عام واعلم أن قوله ثم يقوم فيخطب جاهرا أي رافعا صوته بها ليس مما يتعلق به الاستحباب لوجوب القيام كما مر وكذا الإجهار للتأسي وتحصيلا لفائدة الخطبة من الإبلاغ والإنذار [ الرابع الجماعة ] الرابع الجماعة فلا تصح فرادى إجماعا فتوى ونصا ومنه الصحيح فرضها اللَّه تعالى في جماعة وهي شرط في الابتداء اتفاقا وتتحقق الجماعة بنية المأمومين الاقتداء بالإمام فلو أخلوا بها أو أحدهم لم تصح صلاة المخل ويعتبر في انعقاد الجمعة نية العدد المعتبر وفي وجوب نية القدرة للإمام هنا نظر من حصول الإمامة إذا اقتدى به ومن وجوب نية كل واجب ولا ريب أن الوجوب أحوط وهو خيرة الشهيد والمحقق الثاني [ الخامس أن لا يكون بين الجمعتين أقل من ثلاثة أميال ] الخامس أن لا يكون بين الجمعتين أقل من ثلاثة أميال يعني أقل من فرسخ إجماعا منا فتوى ونصا ففي الصحيح لا يكون جمعة إلا فيما بينه وبينه ثلاثة أميال ونحوه الموثق لا يكون بين الجمعتين أقل من ثلاثة أميال ولا فرق في ذلك بين المصر والمصرين ولا بين حصول فاصل بينهما كدجلة وعدمه عندنا قيل ويعتبر الفرسخ من المسجد إن صليت فيه وإلا فمن نهاية المصلين ويشكل الحكم فيما لو كان بين الإمام والعدد المعتبر وبين الجمعة الأخرى فرسخ فصاعدا وبين بعض المأمومين وبينها أقل منه فعلى ما ذكره لا تصح الجمعة ويحتمل بطلان القريب من المصلين خاصة وأما الذي يجب عليه حضور الجمعة فهو كل مكلف ذكر حر سليم من المرض والعرج والعمى حال كونه غير هم ولا مسافر ولا بعيد عنها بفرسخين أو بأزيد منهما على الخلاف الآتي فلا تجب على الصبي مطلقا وإن صحت من المميز تمرينا وأجزأته عن ظهره كذلك ولا على المجنون حال جنونه ولا على المرأة مطلقا ولا على الخنثى إذا كان مشكلا على قول ولا على العبد مطلقا أذن له السيد أم لا قنا كان أو مدبرا أو مكاتبا أدى شيئا أم لا إلا إذا هايأه المولى فاتفق الجمعة في نوبته فتجب الجمعة على قول ولا على المريض مطلقا ولو لم يشق عليه الحضور في ظاهر إطلاق النص والفتوى وإن قيل بوجوب الحضور مع عدم المشقة التي لا تتحمل عادة إلا مع خوف زيادة المرض فلا تجب الجمعة وعلى الأعرج إذا كان مقعدا قطعا لا مطلقا وفاقا لجماعة وإن أطلق آخرون لعدم دليل عليه يعتد به عدا رواية مرسلة لا جابر لها عدا دعوى المنتهى إجماعنا على اشتراط عدم العرج مطلقا لكنها كالرواية تحتمل الانصراف إلى المتبادر منه وهو الذي ذكرناه ويشعر به سياق عبارة المنتهى مع أنه في التذكرة قيده بالبالغ حد الإقعاد وادعى عليه إجماعنا وفيها وفي نهاية الإحكام أنه إن لم يبلغه فالوجه السقوط مع المشقة والعدم بدونها ولا على الأعمى مطلقا كالمريض وقيل فيه أيضا ما مضى ولا على الشيخ الكبير العاجز عن الحضور أو الشاق عليه مشقة لا تتحمل عادة ولا على المسافر سفرا يجب عليه التقصير لا مطلقا ولا على البعيد بفرسخين أو أزيد بلا خلاف في شيء من ذلك أجده إلا ما مر فيه الخلاف بل عليه الإجماع في عبائر جماعة وإن اختلفت في دعواه في الجميع كالمنتهى وغيره أو في البعض خاصة كالفاضل في التذكرة فقد ادعاه في الحرية وانتفاء الشيخوخية وما عرفته كالشهيدين في الذكرى والروض في الحرية خاصة وإن كان ظاهرهما كغيرهما