السيد محمدمهدي بحر العلوم

449

مصابيح الأحكام

للحدث وإيجاب الغسل فيه على المتطهّر - مع بُعده عن أنظار الفقهاء واعتبار الحجج والنظائر - لو كان شيئاً ثابتاً لظهر ، واشتهر ، وعرفه الناس ، وارتفع عنه الشك والالتباس ؛ لعموم البلوى وشدّة الحاجة ، وتعلّقه بركنين عظيمين من الإسلام ، وهما الحجّ والعمرة ، والحال تشهد بخلاف ذلك ؛ فإنّ المعلوم من عمل المسلمين وفتاوى العلماء من العامّة والخاصّة عدم الالتزام بهذا الغسل ، ولا الإلزام به ، ولا جعلِه شرطاً للإحرام الذي هو ركن في الحجّ والعمرة ، كالنيّة والتلبية . وأمّا الأخبار الواردة في غسل الإحرام ، فهي وإن كانت كثيرة إلّا أنّ كثيراً منها قد جاء في تعداد الأغسال ، أو الأفعال الواجبة والمندوبة على وجه لا يتميّز أحد القسمين عن الآخر إلّا بدليل منفصل ، والمتحصّل منه أصل الشرعيّة ، وهو بضميمة الأصل دليل الندب ، بل الذي يلوح من أكثرها نظراً إلى درجه في السنن وغلبة المندوب فيه على غيره ، أنّه مستحبّ لا واجب . وأقرب ما يستدلّ به على الندب روايات ، منها : ما رواه الكليني في الصحيح ، عن معاوية بن عمّار ، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام ، قال : « إذا انتهيت إلى العقيق من قبل العراق [ أو ] إلى الوقت من هذه المواقيت وأنت تريد الإحرام إن شاء اللَّه فانْتِفْ إبطيك ، وقلّم أظفارك ، واطلِ عانتك ، وخُذْ من شاربك ، ولا يضرّك بأيّ ذلك بدأت ، ثمّ اسْتَكْ واغتسل والْبَس ثوبيك ، وليكن فراغك من ذلك إن شاء اللَّه تعالى عند زوال الشمس ، وإن لم يكن عند زوال الشمس فلا يضرّك ، غير أنّي أُحبّ أن يكون [ ذاك مع الاختيار ] عند زوال الشمس » « 1 » . ولا ريب أنّ سياق هذا الحديث الندب . وما رواه الشيخ ، والصدوق في الفقيه ، في الصحيح ، عن معاوية بن وهب ، قال :

--> ( 1 ) . الكافي 4 : 326 ، باب ما يجب لعقد الإحرام ، الحديث 1 ، وما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر ، وسائل الشيعة 3 : 336 ، كتاب الطهارة ، أبواب الأغسال المسنونة ، الباب 26 ، الحديث 1 .