السيد محمدمهدي بحر العلوم

278

مصابيح الأحكام

المفيد رحمه الله أنّه قال في كتاب أُصول الفقه : « إنّ أكثر المتفقّهة إنّما أوجبوا تكرار الغسل بتكرار الجنابة وتكرار الحدّ بتكرار الزنا ؛ لما ذهبوا إليه من كون الجنابة علّة للغسل ، والزنا علّة في الحدّ » « 1 » ، فإنّه يشعر بأنّ القول بالعلّيّة مذهب المخالف ، وليس قولًا للأصحاب . ثمّ حكى عن السيّد في مسائل الخلاف « 2 » أنّه نقل عن بعض الأصحاب في مسألة الجريدة أنّه قال في جملة كلام له في دفع الاستبعاد عن التعبّد بها : « إنّ الذي تعبّدنا بغسل الميّت وتكفينه هو الذي تعبّدنا بوضع الجريدة معه ، وإلّا فلأيّ معنى أوجب اللَّه تعالى غسل الميّت وقد مات وسقط عنه التكليف « 3 » ، والطهارة إنّما تجب لأداء الفرائض ، قال السيّد رحمه الله : وهذا كلام سديد في موضعه » « 4 » . قال ابن إدريس : « ألا ترى أنّ السيّد رحمه الله أورد هذا الكلام [ عن أصحابه ] « 5 » إيراد راضٍ به ، متعجّب منه . والمقصود بقوله : والطهارة إنّما تجب لأداء الفرائض ، وغسل الجنابة طهارة بلا خلاف ، فلا يجب إلّا لذلك » « 6 » . ولا ريب أنّ كلام السيّد هنا أدلّ على تعيين مذهبه ممّا قاله في الذريعة ؛ فإنّ العلّة في الشرعيّات لا تقتضي امتناع تخلّف المعلول ، والعلّة والسبب والموجب ألفاظ متقاربة في المعنى ، وقد اتّفق الجميع على إطلاق الأسباب والموجبات على الأحداث ، مع تخلّف الطهارة عنها في غير الجنابة ، وتحاشي القدماء عن لفظ العلّة لكثرة دورانه بين أصحاب القياس ، وإلّا فهي كالموجب والسبب ، على أنّ الذي أثبته السيّد هو العلّة المقتضية للتكرار ، وهي غير العلّة التي لا يتخلّف عنها المعلول في الزمان .

--> ( 1 ) . كتاب أصول الفقه ، للشيخ المفيد من المفقودات . فإنّا لم نجد هذه العبارة أيضاً في مختصره المسمّاة باسم : التذكرة بأُصول الفقه ( المطبوع ضمن مصنّفات الشيخ المفيد ) . نعم ، نقلها عنه ابن إدريس في السرائر 1 : 133 . ( 2 ) . هذا الكتاب من المفقودات . ( 3 ) . في المصدر : سقطت الفرائض عنه . ( 4 ) . السرائر 1 : 134 . ( 5 ) . ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر . ( 6 ) . السرائر 1 : 134 ، مع تفاوت يسير .