جمال الدين محمد الخوانساري

5

التعليقات على شرح اللمعة الدمشقية

كل من الامكان والوجود واستحقاق العبادة من الاله يستلزم نفى الآخرين واثباته يستلزم اثباتهما فلك حملها على أيّ منهما شئت لكن يشكل انّ هذه الاستلزامات لا يخلو من خفاء لاحتياجها إلى بيان وبرهان وعلم أكثر من تلفظ بها بذلك غير ظاهر لا سيما في صدر الاسلام فلو اعتبر في التوحيد الاعتراف بوجود الواجب تعالى وامتناع اله غيره فبمجرّد اعتراف أحد منهم بهذه الكلمة الطيبة الحكم باسلامه مشكل جدّا فالظاهر ما ذكرنا أولا من الاكتفاء في التوحيد بالنسبة إلى كثير من الناس خصوصا في اوّل الامر بالاعتراف بوجوده تعالى ونفى وجود اله غيره كما هو ظاهر الكلمة الطيّبة وان لم يظهر منهم الاعتراف بنفي امكان اله غيره خصوصا إذا كان ما اعترفوا به مستلزما لذلك أيضا وان لم يشعروا به فكأنهم قد اعترفوا به في ضمنه وبالجملة فكأنّ لهم العلم الاجماليّ بما هو الحق من الدّين وان غفلوا من تفاصيله ولا استبعاد في كفاية ذلك بالنسبة إليهم فتأمل قوله ومعناه اللّه اله إلى آخره لا يخفى ان حمل التركيب على هذا الوجه كما ذكره المحققون وان كان ليس ببعيد بل المستفاد من أمثال هذا التركيب ليس الّا هذا وما يرجع اليه إذ المفهوم من قولنا لا كاتب الّا زيد ليس الا حصر الكاتب في زيد بمعنى عدم اتصاف أحد بالكاتب الا زيد أو ملخّصه كما ذكروه ان زيدا كاتب لا غيره وليس مفهومه انه لا كاتب موجود أو ممكن أو ما أشبه هذا الا زيد وان كان بعضها لازما لذلك لكنّه لا يجدى في دفع الاشكال الذي أورده فإنه ان أريد بالاله المعبود بالحقّ كما هو ظاهر كلام الشارح فلا ينفى تعدّد الواجب أصلا وان أريد به واجب الوجود فان أريد حمله على أنه دون غيره فلا يدلّ الا على الوهيّته تعالى ونفى وجود اله غيره تعالى بالفعل ولا يدل على نفى امكانه وان أريد حمله بالامكان عليه تعالى دون غيره فلا يدل على وجوده تعالى بالفعل فالتعويل في رفع الاشكال على هذا أيضا على ما قرّرنا فتذكّر قوله أو انها نقلت شرعا هذا مع بعده يتوجّه عليه انه على هذا بمجرّد الاتيان به لا يمكن الحكم بالاسلام ما لم يعلم إرادة المعنى الشرعي وظاهر انهم كانوا يحكمون باسلام الكفار إذا اتوا بها من غير تفتيش عما قصدوه بها مع بعد اطلاعهم على الاصطلاح الشرعي وقصدهم له الا ان يقال إن نفى وجود اله غيره تعالى كما هو ظاهرها لغة يكفى في الاسلام كما أشرنا اليه سابقا ثمّ نقل شرعا إلى هذا المعنى ليقصده بها الموحّدون الكاملون ويترتب عليها لهم المرتبة العليا من الاجر والثواب فتأمل قوله لموت أبيه قبلها تعليل لوقوع التسمية أو السؤال من الجدّ لا من الأب كما هو الغالب قوله لان النبيّ مرفوع الرتبة الأولى ان يقول رفيع الرتبة لان الرفعة التي هي معنى النبوّة لازم لا متعدّ قال في القاموس رفع رفعة بالكسر شرف وعلا قدره فهو رفيع قوله وان لم يؤمر بتبليغه هذا لا يلائم كون النبيء بالهمز بمعنى المخبر الا ان يكون التسمية باعتبار أكثر الافراد قوله وجمعه ليشمل ما تحته من الأجناس فان المفرد المعرف أيضا وان أفاد العموم عند عدم العهد بل ربما كان عمومه أشمل من الجمع كما ذهب اليه بعضهم لكن لما كان فيه مجال احتمال العهد أو حمله هاهنا على بعض أجناسه الظاهرة وحمل اللام على أنه لإفادة العموم في افراده جمعه ليضعف هذه التوهمات فافهم قوله في الحاشية في عدل عن التعريف المشهور يمكن حمل المشهور على أنه بيان للمراد بالصّلاة إذا نسبت إلى اللّه تعالى وان كان معنى مجازيا فلا ايراد عليه فافهم قوله فيها ومن الملائكة الاستغفار لا يخفى ان التفرقة بين صلاة الملائكة والمؤمنين والحكم بأنها من الملائكة خصوص الاستغفار ومن المؤمنين الدّعاء الذي يعمّه وغيره مما لا يظهر له شاهد فتأمّل قوله فيها لان التصريح بالحقيقة اى بما يدل حقيقة على المعنى المجازىّ المراد قوله فيها مع أن العطف لا يدل فيه إشارة إلى ما أشار اليه اوّلا من سهولة الامر في هذا الاشكال وانه يمكن دفعه عن الجميع وان كان على ما ذكره أسهل فتأمّل قوله فيها ليليني امر الغائب من الولي بمعنى القرب اى ليقربنى في الصّلاة ذوا العقول فان الأحلام جمع الحلم بالكسر بمعنى العقل والنّهى جمع نهيه بالضم فيهما بمعناه أيضا قوله ما لا يؤثر فيه صلاة إلى آخره على أنه لا استبعاد في التأثير أيضا فان مراتب القرب اليه تعالى والزلفى لديه غير متناهية فيجوز ان يوجب كل صلاة عليه صه ترقيه من مرتبة إلى مرتبة فوقها فتبصر قوله ويطلق تغليبا في كون ذلك على سبيل التغليب تامّل فتأمّل قوله ونبّه على اختصاصهم إلى آخره فانّ غيرهم صلوات اللّه عليهم لم يتّصفوا بما وصفهم به بالاتفاق قوله ثمّ نبّه على ما أوجب إلى آخره اى على مزيد تأكيد لذلك والّا ففيما ذكره اوّلا أيضا تنبيه عليه وأيّ تنبيه فتنبّه قوله لانّهم المنتفعون بالعبر كأنه حمل العقول على العقول الكاملة والمراد انّ جعلهم قدوة والتكليف بالاقتداء بهم لا يصلح الّا لذوي العقول لانّهم المنتفعون بالتكاليف دون غيرهم فافهم قوله نصّ عليه الجوهري وفي القاموس الحقب بالضم وبضمتين ثمانون سنة أو أكثر والدّهر والسّنة والسّنون جمع احقاق واحقب وقال في الكشاف في تفسير قوله تعالى أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً أو أسير زمانا طويلا والحقب ثمانون سنة وظاهره ان الأصل في معنى الحقب هو ثمانون سنة ثمّ استعمل في الزمان الطويل وهذا لا يوافق ما ذكره الجوهري أو المراد تفسير الحقب بضمتين على ما هو القراءة المشهورة بالزمان الطويل وقوله والحقب اى بالسكون على ما وقع في بعض القراءات وعلى هذا ينطبق ما ذكره لكنه في تفسير قوله تعالى أَحْقاباً قال حقبا بعد حقب كلما مضى حقب تبعه آخر ثمّ قال وقيل الحقب ثمانون سنة وهو يشعر بتفسيره واحد الأحقاب بالزمان الطويل ثمّ نسبته تفسيره بثمانين سنة إلى القيل وهو لا يلائم شيئا من الاحتمالين المذكورين وكيف ما كان فلا ريب في عدم موافقته لكلام الجوهري وقال القاضي في الآية الأولى الحقب الدّهر وقيل ثمانون سنة وقيل سبعون وقال في الثانية احقابا دهورا متتابعة وليس فيه ما يدل على خروجهم منها إذ لو صحّ ان الحقب ثمانون سنة أو سبعون الف سنة فليس فيه ما يقتضى تناهى تلك الأحقاب إلى آخر ما ذكره وأنت خبير بان كلامه في الموضعين لا يوافق ما ذكره الجوهري ثمّ قال لا يخفى ما في الاختلاف بين كلاميه في المعنى الثالث حيث جعله أولا سبعين سنة وآخر لسبعين الف سنة ولا يبعد ان يكون كل منهما كان قولا لأحد فافهم قوله فلزمها لصوق الاسم يعنى ان المبتدأ يلزمه الاسمية ولما تخلف تلك عن القائم مقامه فالتزموا لصوق اسم به ابقاء للازمه بقدر الامكان قوله وصنف له هذا الكتاب ظاهره ان الضمير راجع إلى السلطان على ابن مؤيّد