السيد نعمة الله الجزائري

462

كشف الأسرار في شرح الاستبصار

وفي سيرنا قد دخلنا مدائن رائقة ، وقصورا شاهقة ، وتنزّهنا في رياض البساتين ، مع غلمان وحور عين . فقالوا : « أترجع » قلت : « لا ، الا أن أملي حجري من أطيب ثماره ، وأجعل تاجى معلما بجلنارة [ 1 ] حتى إذا انصرفت إلى قومي يصدّقوني ، بل أحمل معي جذوة من النار لعلّهم يصطلون » [ 2 ] . فلمّا وصلنا إليهم ، وحللنا بين أيديهم ، قالوا : « هذا ( تهذيب الأحكام ) وفصل الحلال والحرام لم يوجد له شرح إلى الآن ، ولم يطمثه انس قبلك ولا جان » .

--> = عشر سنين أخرى ، حتى بلغ عمري عند الاشتغال بشرح الأحاديث والتصنيف والتأليف ثلاثين سنة . ويشهد لما ذكرناه أنه ( قدس سره ) فرغ من تأليف هذا السفر الجليل ( شرح لاستبصار ) في عام ( 1088 ه‍ ) كما ذكره في آخره ، وهو ابن ثمان وثلاثين سنة ( لأن ميلاده في 1050 ه‍ ) . وكان قد فرغ من شرح التهذيب قبل تأليف شرحه على الاستبصار ( كما صرح به في مقدمة هذا الكتاب ) . فيكون مبدأ اشتغاله بتحرير فقه الحديث أول العقد الرابع من عمره فمقصوده من قوله : « ووقفنا على الثلاثين » انتهاء زمن سيره لتحصيل هذا العلم ، واستقلاله بعد الثلاثين بالتدريس والتصنيف . [ 1 ] معرب ( گلنار ) وهو مأخوذ من ( گل أنار ) يعنى أصبغ عمامتي بلون الرّمان ، والمقصود منه : « أنّي باملاء حجري من ثماره ، وامتلائى من عذب ماء بحاره ، أجعل نفسي نحوا يلفت إليّ الأنظار ، ويتوجه نحوي روّاد العلم والفضيلة من كل صقع وديار ، ليأخذوا عنّي ما اجتنيت من لذيذ ثماره ، ويتحلّوا بما استخرجت من لئالي بحاره » . [ 2 ] اقتباس من الآية الشريفة الرقم ( 29 ) في سورة القصص : « قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ »