السيد نعمة الله الجزائري
284
كشف الأسرار في شرح الاستبصار
« . . . وأكثر الواصلين منهم لم يبلغوا مرتبة الطبقات السابقة ، لا لنقص في موادهم وقصورهم في استعدادهم ، بل لفساد الزمان ، وتغير الأحوال ، وكثرة الهرج والفتن وتظاهر البلايا والمحن ، ورغبة الطباع عن العلم وحملته ، وتنفر القلوب عن العلماء والمتعلمين ، وقطع الأرزاق والأقوات المرتبة من الاعصار السابقة لهذه الطائفة ، وابتلائهم بالضنك وضيق المعيشة ، وضعف الأحوال بحد لا يمكنهم الالتفات إلى مسألة من البديهيات . وهذا الفتور لا يختصّ بالمتعاطين للعلوم الشرعية ، بل يعمّ مطلق المنسوبين إلى العلم ، فانّ حكماء هذا العصر لا يبلغون مرتبة الحكماء السابقين ، والأطباء هذا العصر مرتبة الأطباء السابقين ولا المتعاطون لسائر العلوم ، كالتنجيم ، والرمل ، وغيرهما مراتب الأولين . وقد كان الحال في القرن السابق على هذا القرن على العكس المطلق مما نحن فيه ، فإنهم كانوا في نعمة وافية ، وعيشة راضية ، والنفوس متشوقة إلى اكرام جانبهم ، ورفع مراتبهم ، وتوقيرهم واجلالهم ، وترفية أحوالهم ، فبنوا لهم المدارس وعقدوا لهم المجالس ، وهيّئوا لهم الكتب والآلات ، وأخلوا قلوبهم عن كل شاغل ، لتحصيل الكمالات ، فاستقوا من كل بحر ونهر ، وحلبوا أشطر الدهر ، وهوت إليهم أفئدة العظماء والأشراف ، وتسابقت إليهم الخيرات من الأطراف ، وأتتهم الكرامات من الأرضين القاسية ، ودانت لهم النفوس العاصية ، ولانت إليهم القلوب القاسية ، وتواردت عليهم الأيادي ، وتليت آيات مجدهم في النوادي ، وشاع صيتهم في البلدان والقرى والبوادي ، وبسط لهم مهاد النعيم قرارا ، وأرسل السماء عليهم مدرارا ، وتسهّلت لهم الأسباب ، وتذللت لهم الرقاب الصعاب ، ووفاهم الملوك حقوقهم من التعظيم والتكريم ، وأسهموهم من حظوظهم بالحظّ العظيم ، ووسّعوا لهم الأزراق ، وجلبوا لهم الأدوات من الآفاق ، واعتنوا بترويجهم ونشر آثارهم ، واهتمّوا بتنزيههم وتعلية منارهم . وسمعت والدي عن جدّي ( رحمة اللّه عليهما ) : أنه لمّا تأهب المولى