السيد نعمة الله الجزائري
229
كشف الأسرار في شرح الاستبصار
قال لها العامل المذكور : وأيّ ضرر أعظم من أنك لا تتر كينه حتى يتزوج مع جنسه ، والاتصال معك لا يسمن ولا يغني من جوع ، لعدم النتيجة منه . قالت : يا شيخ ! ان تتركني على حالي ، ولا تحل بيني وبين من أوالي ، أعطك الميثاق ، باننّي لن أعذّبه أبدا ، بل أعينه مهما طالب منّي مددا ، وأرضى بزواجه مع من أحب من بنات الحوّاء ، بشرط أن يعدل بيني وبينها على السواء . فلمّا تمّت المعاملة بين الفريقين ، ارتفعت الغائلة من البين ، فالآن هذا الشخص حائز اللّذتين ، وفائز الزّوجتين ، زوجة صالحة انسيّة ، وزوجة مالحة جنّيّة ، الأولى منهما من نوع الانسان ، والأخرى منهما من نسل بني الجانّ ، تساعده في كل مكان ، وتحرسه في كل زمان ، يظهر منه بسبب هذه الغادة ، أمور غريبة خلاف العادة . يمكنك أيّها القارئ أن تنظر إلى كل ما كتبناه بنظر شكّ وارتياب ، لكنّني رأيت هذا الشخص من قريب ، مع أمر غريب ، لأنه من كراماته المشهورة وغراباته المشهودة ، أنه يكتب على الكاغذ الأبيض الساذج ، بدون أن يضع قلمه عليه ، أو يمسّه بيديه ، ولمّا نقلوا لي هذه الصفة ، لم أكد أصدقها لغرابتها ، بل استحالتها ، فقال لي صديق : أنا آخذ لك الموعد عنده ، فترى بعينك أنّه يقدر عليه ، فرضيت أن أذهب اليه ، لكنّه جاءني في اليوم الثاني ، وقال : انه لم يرض أن أحضر أنا عنده لشأني ، قاله احتراما ، بل يرى حضوره عندي اغتناما . فجاءني الرجل في الغد ، فرأيته شابّا طويل القدّ ، عريض الخدّ ، فاتح اللّون ، كثير الشعر على الرأس ، حالقه على الخدّ ، يتكلم بلطف ومتانة ، يخاطبني بأدب ورزانة ، فسألني عن الحاجة ؟ فقلت له : أرني ما عندك من الأمور العجيبة . قال لي : أخبرني بمشكلتك الشديدة ، ثمّ ضع كاغذا أبيض في جيبك يكتب عليه حلّها بنفسه بلا كاتب ولا قلم .