السيد نعمة الله الجزائري
22
كشف الأسرار في شرح الاستبصار
أنا في الباب ، ودخل أخي إليها فكان كل من يخرج من طلبة العلم ويراني ، يرق لحالي وما أصابني من آثار التعب . فلما وجدنا صديقنا ، قعدنا معه في حجرته ، وأخذنا في اليوم الآخر لزيارة رجل فاضل ، وهو الشيخ البحراني ، فكان يدرس في « شرح ألفية ابن مالك » فسلمنا عليه ، وأمر لنا بالجلوس ، فلما فرغ ، سألنا من أين القدوم ؟ فحكينا له الأحوال ، فقام معنا فأخذني إلى وراء أسطوانة المسجد ، فلزم أذني وعركها عركا شديدا وقال : « أيها الولد ! ان لم تجعل نفسك شيخا للعرب ، ولا تحب الرئاسة ، فيضيع به وقتك ، تصير رجلا فاضلا » فلزمت كلامه ، وانزويت عن الأحباب والأخلاء في وقت قراءتي ، فمضى معنا إلى متولي المدرسة فعيّن لنا شيئا قليلا لا يفي بوجه من الوجوه ، ثم شرعنا قراءة الدرس عند ذلك الشيخ وعند غيره . فلما مضت لنا أيام قلائل ، قال لي أخي وصديقي : ينبغي أن نرجع إلى « الجزائر » لأن المعاش قد ضاق علينا ، فقلت . أنا أكتب بالأجرة وأعبر أوقاتي ، فكتبت بالأجرة لمعاشي وكاغذي وما أحتاج اليه ، وكنت أيضا أكتب أربعة دروس للقراءة وأحشيها وأصححها وحدي . انكبابه على الدرس والمطالعة وكان حالي في وقت الصيف الحار ، أن طلبة العلم يصعدون إلى سطح المدرسة وأنا أغلق باب الحجرة وأشرع في المطالعة والحواشي وتصحيح الدرس إلى أن يناجي المؤذن قريب وقت الصبح ، ثم أضع وجهي على الكتاب وأنام لحظة « 1 » فإذا طلع الصبح شرعت في التدريس إلى وقت الظهر ، فإذا أذّن المؤذن ، قمت أسعى إلى درسي التي أقرأها ، فربما أخذت قطعة خبز من دكان الخباز في طريقي ، فآكلها وأنا أمشي . وفي أغلب الأوقات ما كان يحصل فأبقى إلى الليل ، وكنت في أكثر
--> ( 1 ) وطبعا هذا كان بعد فراغه من صلاة الفجر .