السيد نعمة الله الجزائري

19

كشف الأسرار في شرح الاستبصار

فقلت لوالدي : اني أريد السفر إلى أخي إلى « الحويزة » لأجل طلب العلم ، فأتى بي إلى شط « سحاب » وركبنا في سفينة ، وأتينا من طريق ضيق قد أحاط به القصب من الجانبين ، وليس فيه متسع الا للسفينة ، وكان الوقت حارا ، وهاج علينا من ذلك القصب بق ، كل واحدة منها مثل الزنبور ، وأينما لدغ ورم موضعه ، ذلك الطريق اسمه « طريق الشريف » . وفي ذلك الطريق الضيق رأينا جماعة من أهل الجاموس ، فقصدناهم وكنا جياعا ، فخرجنا عليهم وقت العصر وفرش لنا صاحب البيت فراشا ، فصار وقت المغرب ، فلما صلينا صرنا في انتظار العشاء ، وما جاء لنا بشيء حتى أتى وقت النوم ، واشتد جوعنا ، وأخذنا النوم ، فنمنا جياعا . فلما بقي من الليل بقية قليلة ، جاء صاحب البيت إلى قربنا ، وشرع ينادي جاموسه ، ويقول : « يا صبغاء ويا قرحاء ! هاي ! » فلما رفع صوته وسمعت الجاموس ذلك الصوت ، أقبلن اليه من بين القصب ، فلما خرجن اليه سألت واحدا منهم ، ما يريد هذا الرجل من هذا الجاموس ؟ فقال : يريد أن يحلبهن ويبرد الحليب ، ويطبخ لكم طعاما من الحليب والأرز ، فقلت : انا للّه وانا اليه راجعون ، وأخذني النوم . فلما قرب الصباح ، أتى بقصعة كبيرة وأيقظنا ، فلم نر على وجه تلك القصعة شيئا من الأرز ، فمددنا أيدينا فيها إلى المرافق ، فوقعنا على حباب منه في قعر تلك الجفنة ، وشربنا من ذلك الحليب ، ويا لها من ليلة ما أطولها ! وما كان أجوعنا فيها ! خصوصا لما شربنا من هذا الحليب . فركبنا بعد طلوع الشمس وأتينا إلى « الحويزة » وقد كان أخي قبلي ضيفا عند رجل من أكابرها ، ويقرأ في شرح الجامي عند رجل من أفاضلها ، فتشاركنا في الدرس ، وبقينا نقرأ عنده في « شرح الجاربردى على الشافية » . وهذا الأستاد أيضا ( رحمه اللّه تعالى ) قد استخدم علينا كثيرا ، واسمه الشيخ