السيد نعمة الله الجزائري

17

كشف الأسرار في شرح الاستبصار

ونحن في بعض لعب الصبيان إذ أقبل إلي المرحوم والدي : فقال : يا بني ! امض معي إلى التعلم وتعلم الخط والكتابة حتى تبلغ درجة الاعلام ، فبكيت من هذا الكلام ، وقلت : هذا شيء لا يكون ، فقال لي : ان صاحبك هذا نأخذه معنا ، ويكون معك يقرأ عند المعلم . فأتى بنا إلى المكتب وأجلسنا فيه ، فقرأت أنا وصاحبي حروف الهجاء ، فأتيت اليوم الآخر إلى والدتي وقلت لها : ما أريد المكتب ، بل أريد اللعب مع الصبيان فحدّثت والدي ، فما قبل منها ، فأيست من قبوله ، فقلت ينبغي أن أجعل جدي وجهدي في الفراغ من قراءة المكتب ، فما مضت أيام قلائل حتى ختمت القرآن وقرأت كثيرا من القصائد والأشعار في ذلك الوقت ، وقد بلغ العمر مني خمس سنين وستة أشهر . فلما فرغت من قراءة القرآن ، جئت إلى والدتي وطلبت منها اللعب مع الصبيان ، فأقبل إليّ والدي ( تغمده اللّه رحمته ) وقال لي : يا ولدي خذ كتاب الأمثلة وامض معي إلى رجل يدرّ سك فيها ، فبكيت ، فأراد اهانتي وأخذني إلى رجل أعمى لكنه كان قد أحكم معرفة الأمثلة والبصروية وبعض الزنجاني ، فكان يدرسني ، وكنت أقوده بالعصا وأخدمه وبالغت في خدمته لأجل التدريس . بدء ابتلاءاته في تحصيل العلم فلما قرأت الأمثلة والبصروية وأردت قراءة الزنجاني ، انتقلت إلى رجل سيد من أقاربنا كان يحسن الزنجاني والكافية ، فقرأت عليه ، وفي مدة قراءتي عنده كان يأخذني معه كل يوم إلى بستانه ، ويعطيني منجلا « 1 » ويقول لي : يا ولدي : حش « 2 » هذا الحشيش لبها يمنا ، فكنت أحش له ، وهو جالس يتلو علي صيغ الصرف والاعلال والادغام ، فإذا فرغت ، شددت الحشيش حزمة كبيرة وحملته

--> ( 1 ) آلة من حديد عكفا يقضب به الزرع ونحوه . ( 2 ) هش ورق الشجرة : خبطه بعصا ليتحات .