الفيض الكاشاني

304

معتصم الشيعة في أحكام الشريعة

إحضاره في الذهن بوجه مميّزاً له عن غيره عند الناوي ممّا لا كلفة فيه أصلًا ؛ فإنّ الظهر التي نحن مكلّفون بأدائها في هذا اليوم مثلًا متصوّرة لنا بهذا الوصف العنواني الذي يمتاز به عن جميع ما عداها من العبادات وغيرها . والقصد إلى إيقاعها ، امتثالًا لأمره تعالى وتحصيلًا لرضاه - جلّ وعلا - في غاية السهولة كما يشهد به الوجدان ، ومن استصعب ذلك فليتّهم وجدانه ويتعوّذ باللّه من الشيطان » . هذا كلامه - مدّ ظلّه - ، وهو بالتأمّل حقيق . وباللّه التوفيق . « 1 »

--> ( 1 ) . في نسخة « ج » هنا عبارة يعنون في الهامش ب‍ « حاشية » ، لا يخلو ذكرها من فائدة ، خصوصاً أنّ كلمة « سنبيّنه » فيها يقوي الظنّ بأنّها من المصنّف ، وهي : « يمكن أن يقال : لمّا كان المقصود الأصلي من العبادة ذكر اللّه تعالى بالقلب ، لأنّه الموجب للقرب والزلفى ، ولا سيّما فيما فيه مزيد اهتمام كالصلاة ونحوها ، حتّى أن الصلاة الخالية من ذلكَ غير مفيدة ولا مقبولة أصلًا ، ولا يترتّب عليه الثواب بوجه من الوجوه وإن كانت مجزية بعد مراعاة النيّة فيها على الوجه المشهور ، بمعنى خروج المكلّف بها عن عهدة التكليف كما سنبيّنه إن شاء اللّه ، وكان ايجاب الذكر القلبي على المكلّفين يجري مجرى الحرج غير اللائق بالملّة السمحة السهلة ، وعدم ايجابه يستلزم الإخلال به للأكثر بالأكثر ، المستلزم لفوات المقصود رأساً ، كان من الواجب أن يوجب ذلكَ في كلّ عبادة مستقلّة مرّة واحدة لا أقلّ ؛ فلهذا أوجبوا النيّة بهذا الوجه في كلّ عبادة ليكون ذلكَ باعث على ذكره تعالى بالقلب . ولا يخفى أنّ النيّة التي لا يخلو منها عاقل لا يفيد هذه الفائدة ، لإمكان حصولها من قلبٍ لاهٍ وعلى حين غفلة بمجرد اعتياد ونحوه ، وإن ظهر بعد الفحص أنّ الباعث الأصلي له على العبادة إنّما كان القربة والامتثال ؛ فإنّها لا تصير سبباً للقرب ما لم يجدّد ذكر اللّه تعالى على قلبه ؛ فإذن لا بدّ أن يتوجّه إلى المتقرّب إليه ، ويخطر بباله أنّه بفعله هذا مقرّب إليه ، ويكون هذا بعينه سبب تقرّبه ؛ فإن استمرّ ذلكَ التوجّه من أوّل العبادة إلى آخرها وإن كان بعنوانٍ آخر مناسب للأذكار والأحوال المخصوصة ، صار عبادته كلّها مقبولة موجبة للقرب والزلفى وإلّا فبقدر التوجّه والحضور ، ولذلكَ جعلوا محلّها أوّل العبادة ، عسى أن يسير باعثاً لبقاء الذكر واستصحابه تمام أجزائها ، بخلاف ما إذا كان في أواسطها أو آخرها . فبهذا التحقيق ظهر سرّ وجوب قصد التقرّب والمتقرّب إليه والمتقرّب به ، وأمّا القيود الأخر فداخلة في المتقرّب به ، لأنّها من متمّمات تعيّنه وتميّزه ، ولذلكَ قال الشهيد الثاني في رسالةٍ له ألّفها في تحقيق النيّة : إنّ القيود المميّزة للعبادة كقصد التوجّه والتأدية وغيرهما إنّما يعتبر في النيّة إذا لم يكن تلكَ العبادة ممتازة إلّا بها ، بل كانت تحتمل وجوهاً ، أمّا لو كانت متعيّنة في نفسها فلا يعتبر ذلكَ أصلًا . مثلًا لو لم يكن في ذمّته صلاة ظهر يجب عليه قضاؤها وقت الظهر ، فأخذ يصلّيها في أوّل الوقت ، فإذن لا يجب عليه التعرّض للوجوب ولا الأداء ، لأنّ صلاة الظهر لا يكون مندوبة إلّا أن تكون معادة لتحصيل فضيلة الجماعة ، والفرض أنّه يصلّيها في أوّل الوقت ، وهي لا تكون مقضيّة إلّا ممّن تكون في ذمّته قضاء ، والفرض خلافه ؛ فهي متعيّنة من حيث الوجهين لا تحتاج إلى تعيين نسبتهما ، بخلاف ما لو كان عليه قضاء الظهر فدخل وقت حاضرتها ؛ فإنّه حينئذٍ يجب عليه التعرّض للأداء أو القضاء ليتميّز ، وعلى هذا القياس . وبهذا التحقيق ظهر بساطة النيّة أيضاً كما مرّ ؛ فإنّها كما عرفت ليست إلّا قصد التقرّب بالعبادة إلى اللّه تعالى ، وهو أمر بسيط كما هو ظاهر ، واللّه أعلم بحقائق أحكامه » .