الفيض الكاشاني

87

الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام

في السماء ومن في الأرض حتى الحوت في البحر ، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر » « 1 » . * بيان إنما يسلك به طريقا إلى الجنة ؛ لأنّ العلم هو بعينه نعيم أهل الجنة ، وهو الذي يصير هناك لصاحبه شرابا وفاكهة وظلّا . روى في « بصائر الدرجات » بإسناده عن نصر بن قابوس ، قال : سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عزّ وجلّ : وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَماءٍ مَسْكُوبٍ وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ « 2 » قال : « يا نصر ، إنّه واللّه ليس حيث يذهب الناس ، إنّما هو العالم وما يخرج منه » « 3 » . و « الملائكة » هي الجواهر القدسيّة الغائبة عن الأبصار « وأجنحتها » هي قواها العلمية والعملية التي بها تترقّى وتتنزّل ، وطالب العلم بتفكّره في المعقولات وانتقاله من معقول إلى معقول حتى ينتهي إلى معرفة اللّه وصفاته كأنّه يطأ أجنحة الملائكة بقدم عقله ، أو إنه إذا أدرك المعقولات وأحاط بها علما فكأنّ الملائكة نزلت عن سماء ملكوتها ومقامها عنده وخضعت له ، وبالجملة وضع أجنحتها كناية عن خضوعها له . والاستغفار : طلب الستر للذنب ، وطالب العلم يطلب ستر ذنب جهله - الذي هو رئيس جنود ، هي المعاصي - بنور العلم ، ويشركه في هذا الطلب كلّ من في السماء والأرض وما بينهما ؛ لأن عقله وفهمه وإدراكه لا يقوم إلّا ببدنه ، وبدنه لا يقوم إلّا بالغذاء ، والغذاء لا يقوم إلّا بالأرض والسماء والغيم والهواء وغير ذلك . إذ العالم كلّه كالشخص الواحد يرتبط البعض منه بالبعض ، فالكلّ مستغفر له . وإنّما مثّل نور العابد بنور النجوم ، لأنه لا يتعدّى نفسه إذ لا يبصر بنوره شيء بخلاف القمر ليلة البدر ، وتمثيل نور العالم بنور القمر يشعر بأنّه أراد به من لم يكن علمه لدنيا ؛ لأنّ نور القمر مستفاد من الشمس ، فمن كان علمه لدنيا كالأنبياء والأولياء ففضله على العابد كفضل الشمس على النجوم المستفاد نورها من اللّه تعالى بلا توسّط شيء آخر من نوعها أو جنسها .

--> ( 1 ) . الكافي 1 : 34 / 1 . ( 2 ) . الواقعة ( 56 ) : 30 - 33 . ( 3 ) . بصائر الدرجات : 505 / 3 .